في إطار سعيها الى مواجهة تداعيات جائحة كورونا، وفي ظلّ السيناريوهات المتفائلة والواعدة التي تتوقّع نهايةً قريبةً لهذا الوباء، عقدت مؤسّسة «الفكر العربي»، 4 ندواتٍ افتراضية خلال شهر شباط الماضي، حول «جائحة كورونا: التداعيات، التحدّيات والآفاق»، تناولت فيها تأثير الجائحة على قطاعاتٍ حيويةٍ مثل الصحّة والتعليم والاقتصاد والتكنولوجيا. شارك في الندوات الأربع حضورياً وافتراضياً، خبراء وأكاديميّون ومختصّون في مجالاتٍ عدّة، ناقشوا التحدّيات التي يواجهها عالَمُنا العربي، واستشراف آفاق المستقبل ما بعد الجائحة.

الندوة الأولى

إفتُتحت هذه السلسلة بندوةٍ حول «المعرفة العلمية والتطوير التكنولوجي في مجابهة جائحة كورونا»، استهلّها المدير العامّ لمؤسّسة «الفكر العربي» البروفسور هنري العَويط بكلمة أكّد فيها على الأهمّية التي توليها المؤسّسة لمِلفّ البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في العالَم العربي، والذي تجلّى في التقارير التي أصدرتها، ومن أبرزها تقريرها العاشر بعنوان «الابتكار أو الاندثار»، ثمّ في الكتاب المرجع الذي نشَرته أخيراً بعنوان «العرب وتحدّيات التحوّل نحو المعرفة والابتكار». وأوضح أنّ الندوة ستركّز على الطريقة التي تعاملت معها دولنا مع الجائحة، وتقييم الإجراءات التي اعتُمدت والتدابير التي اتُّخذت لمجابهتها، ومقارنتها بمثيلاتها في مناطق أُخرى، بهدف الاستفادة من التجربة السابقة، ومن أجل إثارة وعينا جميعاً بأهمّية العِلم، وفائدة المعرفة العلمية، ومردود التطوير التكنولوجي.

وركّز المتحدّثون في الندوة على موضوع جائحة كورونا والتعامل العربي معها، والهشاشة في أنظمة إدارة الكوارث والإجراءات المتّبعة، وانعكاساتها على العلاقة بين العِلم وأهل الاختصاص من جهة، والمجتمع والإعلام ومتّخذي القرار من جهةٍ ثانية، مؤكّدين على ضرورة التعاون على مستوى العالَم، من أجل تطوير البنى التحتية لمختبرات البحث العلمي، وتحفيز الابتكار والاكتشاف، وتشارك المعلومات، والاستفادة من البيانات الضخمة التي وفّرتها هذه التجربة.

أدار الندوة الأمين العامّ للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان الدكتور معين حمزة، وتحدّث فيها كلّ من: رئيسة وحدة أبحاث العوز المناعي في مستشفى الملك فيصل التخصّصي ومركز الأبحاث في الرياض، الدكتورة مها المزيني، رئيسة قسم الأمراض الجرثومية، ورئيسة برنامج ترصّد العدوى، والعميد المشارك للشؤون العالمية في الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتورة سهى كنج، المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسّسة Data PoP Alliance في نيويورك، الدكتور فؤاد مراد، مدير الأبحاث والمسؤول عن المنصّة البيئية للإنذار المبكّر في المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، الدكتور شادي عبد الله، والمستشار في شؤون العلوم والتكنولوجيا الدكتور عمر البزري.

وعُرضت خلال الندوة أيضاً مداخلات مسجّلة لكلٍّ من: المدير التنفيذي لمجموعة «ستاليون» للذكاء الاصطناعي الأستاذ سامر عبيدات، الرئيسة التنفيذية لمؤسّسة «عبد الحميد شومان» في الأردن فالنتينا قسيسيّة، عضو مجلس إدارة «مؤسّسة الكويت للتقدّم العلمي» سابقاً الدكتورة فايزة الخرافي، نائب الرئيس التنفيذي في الجامعة الأنطونية الدكتورة باسكال لحّود.

الندوة الثانية

تناولت الندوة الإفتراضية الثانية موضوع «التعليم العالي غير الحضوري: أجوبة التجربة وأسئلة المستقبل». أدارها الأكاديمي المتخصّص الدكتور عدنان الأمين، وتحدّث فيها وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق في مصر الدكتور معتزّ خورشيد، النائب والمشارك الأعلى لرئيس جامعة الملك عبد اللّه للعلوم والتقنية في جدّة الدكتورة نجاح العشري، مدير التعليم العالي والتنمية البيداغوجية في المملكة المغربية الدكتور محمد الطاهري.

استهلّ الندوة البروفسور هنري العَويط بمجموعةٍ من الأسئلة حول ضرورة عدم عودة التعليم العالي إلى سابق عهدِه أو بقائه كما كان عليه بعد انحسار الجائحة أو زوالها، ومزايا التعليم العالي غيرِ الحضوري وأدواته وتطبيقاته التكنولوجية التي يمكن البناء عليها واستثمارُها وتوظيفُها، فضلاً عن مصير التعليم العالي ومستقبلُه.

وتناولت مداخلات المتحدّثين التحوّلات التي شهدتها منظومة التعليم العالي خلال فترة الجائحة، والتي فرضت على المسؤولين إعادة النظر في نماذجنا التعليمية وتفكيكها، فضلاً عن إمكانية استثمار التعليم عن بُعد كمكمّل للتعليم الحضوري، وإعادة النظر في استخدام التكنولوجيا الرقمية في التعليم العالي، والاعتماد عليها كأداة تقنية مُكمّلة وداعمة ومُحدّثة للعمليّات الإدارية والتعليمية والبحثية في الجامعات.

الندوة الثالثة

طرحت الندوة الافتراضية الثالثة موضوع «الذكاء الاصطناعي ومستقبل العالم العربي ما بعد كورونا». وقد أدار الندوة المدير التنفيذي لمجموعة «ستاليون» للذكاء الاصطناعي الأستاذ سامر عبيدات، وتحدّث فيها رئيس جامعة روتشستر للتكنولوجيا في دبي الدكتور يوسف العسّاف، والمستشارة في الذكاء الاصطناعي في وزارة الاتّصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر جُلستان (سالي) رضوان.

وألقى في بداية الندوة البروفسور العَويط كلمة أشار فيها إلى دور الجائحة في تسليط الضوء على الذكاء الاصطناعي، بعد أن دلّت التجربة إلى أنّه شكّلَ أداةً فعّالة في المعركة الشرسة التي خاضها العالَم على مختلف الجبهات لمحاربة الجائحة. وسأل عن التحدّيات التي يواجُهها عالَمنا العربي اليوم في تعامله مع الذكاء الاصطناعي، في ضوء تجربة الجائحة، وعن خريطة الطريق المستقبلية من أجل الاستفادة القصوى من تطبيقاتِه.

وتمحورت كلمات المتحدّثين في الندوة حول تأثّر قطاع التكنولوجيا والاتّصالات بالجائحة، التي شكّلت حافزاً قوّياً لتبنّي تكنولوجيا المعلومات، وتناولوا الدور المتعاظم للذكاء الاصطناعي الذي سيشكّل نقطةً فارقةً في تاريخ البشرية، وفرصةً مهمّة للعالَم العربي لتطوير قدراته التكنولوجية.

الندوة الرابعة

إختتمت مؤسّسة «الفكر العربي» ندواتها الأربع من هذه السلسلة بندوةٍ تحت عنوان «كورونا وتداعياتها الاقتصادية»، شارك فيها خبراء اقتصاديّون وأكاديميّون مختصّون، ناقشوا تداعيات كورونا على الاقتصادَين العالَمي والعربي، والتوجّهات المستقبلية والمبادرات لما بعد الجائحة.

أدار الندوة المتخصّص في الشؤون الاقتصادية الأستاذ عدنان كريمة، وتحدّث فيها كلّ من: رئيسة معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي الأستاذة لمياء المبيّض بساط، المديرة العامّة لمركز دراسات الوحدة العربية الأستاذة لونا أبوسويرح، الخبير والمستشار الاقتصادي الأستاذ روجيه ملكي، رئيسة المجلس الرئاسي الاستشاري للتنمية الاقتصادية والمدير التنفيذي ومدير الأبحاث في المركز المصري للدراسات الاقتصادية (ECES) الدكتورة عبلة عبد اللطيف.

وقدّم البروفسور العَويط مداخلة سأل فيها عن تصوّرنا لرؤية الدولة على الصعيد الاقتصادي، وسياساتِها، وخُطَطِها الإنمائية، ودورها ووظائِفها، ومفهومِها للشراكة بين القطاعَين الرسمي والخاصّ، كما سأل عن السياسات والخُطط المطلوبة لمعالجة تداعيات الجائحة الاقتصادية.

تناولت المداخلات مستقبل العالَم العربي الاقتصادي، والحذر الذي يرافق توقّعات الخبراء في ظلّ الانكماش الحادّ، وتراجع اقتصادات الدول، وزيادة نسبة الفقر الذي سيؤثّر على التماسك الاجتماعي وتقدّم المجتمعات العربية. وأكّد المتحدّثون على ضرورة وجود بيانات دقيقة مالية واقتصادية، ومتابعة تطوّر كلفة الجائحة على المالية العامّة، وخصوصاً أنّ أوجه الفساد ظهرت خلال هذه المرحلة. داعين إلى التركيز على مرحلة التعافي الاقتصادي في المستقبل، وعلى محرّكات التغيير، وعلى رأسها الإصلاح المؤسّسي.