إن الداعي لهذا الكلام عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما أعلنه شخصياً في 21 شباط 2025 :”إن حضور الرئيس الأوكراني زيلنسكي محادثات السلام بيني وبين الرئيس الروسي بوتن ليس ذا أهمية لأن أوكرانيا ليس لديها أوراق قوة للعب بها في هذه المحادثات” فالجميع في العالم يعرفون ، وهو واحد منهم أن القيادة الروسية هي المعتدية بشنها منذ ثلاث سنوات حرباً تدميرية توسعية على دولة مستقلة مجاورة لها وهذا معناه أن ترامب وخلافاً لأي منطق يقف إلى جانب المعتدي بحجة أنه الأقوى ضد صاحب الحق المعتدى عليه بحجة أنه الأضعف. وهو بذلك يبرر للأقوياء في العالم تحقيق طموحاتهم التوسعية الإمبراطورية في المناطق المجاورة لدولهم دون أي وجه حق “ويعلن أنه على استعداد لتقاسم الاستيلاء على ثروات بلدان الضعفاء معهم بعد إقرار سلام بين الأقوياء يتحمل كلفته مواطنو تلك البلدان الضعيفة حتى ولو كانوا من حلفاء أمريكا ، وأن ترامب ذاته يعرض على مسؤولي البلدان الحليفة لأمريكا استعداده للدفاع عن بلدانهم شرط أن يدفعوا له ويسددوا كلفة دفاع جيشه عنها .

مزاجية ترامب المتقلبة هذه وتصرفاته التسلطية الدكتاتورية وطموحاته الشخصانية تشكل خروجا على كل المبادئ والشرائع القانونية والإنسانية التي بشر بها مؤسسو الولايات المتحدة الأمريكية . ويطالب العالم أجمع التقيد بها واحترامها بعد فرضها أسسا للنظام العالمي الجديد الذي تأسس في سان فرانسيسكو الأمريكية سنة 1945 وأنتج تأسيس منظمة الأمم المتحدة والمجالس والمؤسسات والمنظمات التابعة لها في المجالات الاقتصادية والمالية والقضائية والاجتماعية والصحية والثقافية وطبعا السياسية لكي يعم السلام والتضامن بين الشعوب التي نالت الحق في تقرير المصير والتحرر من الاستعمار وبناء دولها السيدة المستقلة وحمايتها من أي عدوان على هذه السيادة.

 ترامب يسارع اليوم على تهديم النظام العالمي بالخروج على كل مقوماته وآلياته ويعلن انسحاب بلاده الزعيمة الراعية لهذا النظام من الهيئات التي تدير هذا النظام غير آبه من التداعيات والمخاطر التي تهدد السلام العالمي ومستقبل البشرية.

 منهجية ترامب واعتداده بنفسه وطموحاته التي لا حدود لها تهدد أمن واستقرار الولايات المتحدة في الداخل وتوتر علاقاتها من جيرانها في القارة الأمريكية وحلفائها في سائر القارات خاصة في أوروبا والشرق الأوسط .

ترامب لا يقيم وزناً لسيادة الدول وكراماتها وإراداتها وكأنها لا شيء ويعتقد أنه في سبيل الشعار الذي يرفعه “أمريكا أولاً” فأن كل الوسائل والسبل والسياسات تصبح مبررة حتى ولو كانت تضيع حقوقاً وتسحق شعوباً وتهدد الأمن والسلام والانتظام العام .وهو يبرر أفعاله بالقول إن “الآخر” أيّاً كان يستحوذون على خيرات أمريكا ويستغلونها بدون أن يسددوا لها الثمن المناسب وهو يريد استعادة مال أمريكا من حقوق وأثمان كما أنه يعتبر أن الله حفظه وأنقذه من محاولة الإغتيال لكي يمارس سياسات تصحح الأوضاع كما يراها هو، ليس في الولايات المتحدة فقط بل في كل العالم الموعود بالسلام الترامبي.

 وما يهمنا هنا، رؤيته لما يريده من المنطقة العربية إنه مع إسرائيل في كل ما ترتكبه حماية وتسليحاً وتمويلاً وتشجيعاً يرى فيها دولة مميزة في الشرق الأوسط مساحتها صغيرة ويجب أن تتوسع ، ولو على حساب سائر الدول المجاورة لها ، وعلى قادة هذه الدول التعاون معها والرضوخ لطلباتها والتطبيع معها ومساعدتها على تحقيق شرق أوسط جديد تديره إسرائيل ويرعاها ترامب وصديقه نتانياهو. ترامب يضغط بمختلف الوسائل على قادة الدول العربية للرضوخ لمشيئته وميوله الصهيونية. لا يعترف بأي وجود لشعب فلسطيني مشتت ومشرد ويواجه حروب إبادة من النظام الصهيوني العنصري وبالتالي لا حاجة لإقامة دولة فلسطينية بل يجب توزيع فلسطينيي غزة والضفة الغربية على العديد من الدول وخاصة مصر والأردن ولبنان والسعودية وربما اندونيسيا والصومال والبلقان الإسلامي. ويحلم بامتلاك غزة لتحويلها عقاريا إلى مشروع استعمار عالمي لتصبح “ريفييرا شرق البحر المتوسط “متاحة للجميع من دون أهلها الشرعيين. فما فشل نتنياهو في إنجازه حربا يريد ترامب أن يحققه له بالضغط السياسي والمالي والتهديد بتحويلها إلى جحيم خدمة لصديقه الحميم نتنياهو.

 تصرفات ترامب هذه أثارت استنفار قادة مصر والأردن والسعودية للتصدي والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة وعاصمته القدس الشريف، ورفض أي تهجير للفلسطينيين من أرضهم وموطنهم، ووجهوا الدعوة لعقد قمة عربية طارئة لترد على مشاريع ترامب نتنياهو المشبوهة واللاإنسانية ،ووضع خطة لإعادة إعمار غزة ومنع ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل . فعسى أن تتحقق الآمال ويتمكّن العرب أخيرا من عدم الاتكال على الغير في حل مشاكل بلدانهم ،والاعتماد على القدرات العربية البالغة الأهمية وإستخدامها للدفاع عن حقوقهم ومكانتهم ودورهم في الشرق الأوسط.