“نحن ندرك فداحة الاوضاع وخطورتها على حاضر اللبنانيين ومستقبل اجيالهم ، وعلى الكيان والوجود كدولة. وما من احد ينكر ذلك ، او يعلم الى اين تتجه الامور وسط فشل عام وعجز كامل عن اتخاذ ما يلزم من تدابير لانقاذ لبنان واللبنانيين من المعاناة والانهيار وربما الزوال.”
(المرجع: من مقال لكمال جنبلاط في جريدة الانباء بتاريخ 14/3/1959)
بداية ، لابد من الاشارة الى ان لبنان الصغير بمساحته ، والمحدود بإمكانياته، زاخر بقدرات ابنائه وطموحاتهم التي تدفعهم الى الهجرة الى مختلف بلدان العالم بحثاً عن ظروف افضل للعيش وفرص اكبر للعمل والتقدم. فعلى مر تاريخه الطويل شهد لبنان موجات هجرة تنشط احياناً، وتضعف احياناً اخرى ، وفقاً للظروف والدوافع والامكانيات. وكانت هذه الهجرات ولا زالت لها منافع شخصية وعائلية ومالية واقتصادية وحضارية من جهة، ولها مساوئ ابرزها احداث خلل في تركيبة الهرم السكاني في الوطن حيث تحصل فجوة عمرية في فئات الشباب، وبين الذكور والاناث، تنعكس نقصاً في نسبة العائلين ، وتراجعاً في مستويات الانتاج والمعيشة ، كما في الزواج والتفكك العائلي.
هذا كان يحصل في الماضي. واستطاع لبنان ان يتعايش معه ، ويفاخر بأن ابناءه المنتشرين على مساحة العالم ، يساهمون في الانتاج والانجاز العلمي والتقني والمالي والثقافي والسياسي حيث يتواجدون ويبرعون ويتفوقون. والامثلة على ذلك اكثر من ان تحصى .
فماذا عما يشهده لبنان اليوم ؟ وبماذا يختلف؟
يمر لبنان اليوم في مرحلة هي الاخطر في مراحل تاريخه الطويل ، وما يشهده لبنان منذ عدة سنوات من مناكفات سياسية وحزبية وطائفية ومذهبية ، ومن تعطيل للسلطات والادارات ، ومن فساد وافساد في مختلف المجالات ، انعكس شللاً في الادارات، وفشلاً ذريعاً على مستوى السلطات التنفيذية والتشريعية والمالية والقضائية انتج تداعيات بالغة الخطورة على القطاعات الاقتصادية والمالية كما غيّر الظروف المعيشية والتعليمية والصحية ، وانسداداً في الافق امام الشباب اللبنانيين واصحاب الكفاءات العلمية والتقنية والقانونية والفكرية.
هؤلاء الذين هم في مراحل الاعداد والتخصص والبحث عن مجالات للعمل وبناء المستقبل وتكوين عائلة ، باتوا يشعرون بمرارة متصاعدة وبغضب شديد على المنظومة الحاكمة وعلى المافيات الناهبة لكل مقدرات الوطن ، والتي تحرمهم حتى من الامل بغد افضل بعدما أنتجت مجلساً نيابياً مفككا وغير قادر على التشريع، وتشكيل حكومة قادرة على ادارة شؤون الوطن والمواطنين . وعاجزاً عن المسارعة الى انتخاب رئيس للجمهورية. هؤلاء المواطنين والمواطنات قرفوا من كل ما يحيط بالبلد سياسياً ومالياً واقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وصحياً وبيئياً ومعيشياً، وفقدوا حس الولاء والارتباط بالوطن والثقة بالسياسيين والحكّام … وهنا تتكشف الخطورة . الجميع يتطلع الى مكان غير وطنه يستقبله، ويشكل له بديلاً عن وطنه الذي خذله واوصله الى “جهنم”. وقد تخطى عدد المهاجرين المليون تقريباً خلال 2021 – 2022.
تخيلوا لبنان في العقود القادمة: تركيبة عمرية متهالكة. اكثرية سكانية هرمة بحاجة لمن يعيلها ويكفل لها ضمان الشيخوخة والضمانات الصحية والاجتماعية ، وفئة عمرية من الاطفال والفتيان بحاجة لمن يضمن لها الاعالة والتعلم والاعداد للعمل والانتاج في غياب فئة الشباب التي هاجرت وتركت ذويها بلا معيل، ولا سلطات تدير شؤون الدولة والناس. هل يدرك الحكّام والسياسيون فداحة ما ارتكبوا بحق المواطنين والوطن؟ هل ستحصل اعجوبة وصحوة ضمير دفين فينتصرون على الذات والنزوات والاصطفافات الاقليمية والدولية، رحمة بالمواطنين وضماناً لمستقبل الوطن والكيان ، فيسارعوا الى انتخاب رئيس للجمهورية يكون رجل دولة في تكوينه، في تفكيره ونهجه، وفي قدرته على ان يكون راعياً للوطن فوق الانحياز الحزبي والطائفي والمذهبي والعائلي ، فيلتفّ الجميع حوله ويمنحوه ثقتهم ودعمهم ، ويعمل الجميع بصدق لتشكيل حكومة كفاءات قادرة ان تعمل كفريق عمل واحد ومتجانس وسيد قراره. حكومة تنصرف فوراً وبدون عراقيل الى وضع خطة انقاذ شاملة قابلة للتنفيذ بتجرد واخلاق وكفاءة تكسبها ثقة المواطنين في الداخل ، والدول الشقيقة والصديقة في الخارج. وفي هذه الحالة فقط يستعيد المواطنون الثقة بالوطن، والامل بالمستقبل، وتخفّ موجة الهجرة ، ويتمّ انقاذ الوطن من الضياع والمواطن من التشتت في اصقاع الارض.
كلمة اخيرة، يجب علينا الاحتفاظ بشعلة الامل والرجاء، فبعد الظلام لابد ان يبزغ النور.