الشعوب كالأفراد تماماً، تنتابها بعض الحالات المرضية النفسية ، فيتعطل فيها حاجز العقل ، فيتوقف عن العمل وازع الارادة، فتخرج الغرائز من مكامنها ، وتتجلى التركيبات النفسية ، الشخصية والاجتماعية والتراثية، فإذا بالانسان ، وبالجماعة ، ينصرف، وتنصرف الى فعل ما يفرضه عليه وعليها قدر هذه التركيبات النفسية ، هذه المثالات المستوطنة الدفينة في قلب الانسان وفي فكره، اي في الهامش النفساني المحيط بذات الانسان ، والذي تراكمت فيه الصور والنوازع، وآثار الماضي الشخصي والجماعي ، واستبطنت فيه بقايا كل فعل وانفعال.
ووفق الكشوفات العلمية الحديثة ، يبرز ان وظيفة الحافظة تنطلق من قاعدة هي اوسع بكثير مما كنا نتصوره وانها تشمل كل الانسان، جسداً وحواساً وغرائز وعاطفة، وفكراً … الخ…، فلا تفلت خلية واحدة ولا نفس من خلايانا وانفاسنا من وطأة وثقل وتأثير ما يجري فينا وحولنا. فنحن نتلقى الإخبار Information، ونسجله ونحفظه وفي هذا التسجيل تأثر وانفعال ونزعة في تمثيل هذا الإخبار.
ويبرز في هذا المنحنى من التحليل والتأمل كم هي حرية الانسان الفرد، وحرية الجماعة ، محدودة، خاصة بالنسبة الى مَن لم يستعملوا طوق رباط الفكر، وعلائق الحواس، والتزامات النوازع والغرائز، وثقل اعتمال الماضي بالحاضر، وتسببه للمستقبل. فالنسبية وشرعها هي في باطن كل كائن، وكل شيء وكل مسار Process.
الازمة انتهت ولم تنته!
لان الهستيريا العصبية لا يردعها الا الضرب الحاسم ، او الاستشفاء الطويل الامد، لاحداث التغيير المطلوب في اقنية النفوس، ومسالك التفكير والعاطفة والعلّة، اذا ما استقست على صاحبها فليس يشفيها الا الحديد.
ان كان يجب ان يعزل هؤلاء الارفاض ، تماما كالمريض في طور الاستشفاء النفساني والنقاهة، ففي العزلة خير عميم ، لما ينجم عنها من تبصر في الواقع ، وتأمل بالمصير ، واستيعاب ولملمة لمجاري النفس ، وعود الى المحور!
لا ندري هل العقل سيحكم، ام سنظل راضخين لحكم المثالات والتركيبات النفسية، والافكار والرؤى المستمرة ، الجامدة في النفوس كوجه الحجر.
اننا سنرى ذلك، ولو كنا على كثير او قليل من التشاؤم!
(المرجع: كتابه “في رحاب التقدمية” ص. 161)