في الخامس عشر من شهر ايار المنصرم ، عقد المجلس النيابي اللبناني جلسة فريدة جامعة مخصصة لايجاد مخارج لتداعيات النزوح السوري المتفاقمة على لبنان في مختلف المجالات وعلى كل المستويات : السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية والامنية والبنيوية .

في هذه الجلسة المنقولة على الهواء مباشرة ،تبارى عشرات النواب من مختلف الكتل النيابية في المزايدات الشعبوية – بعضهم طالب بحلول جذرية، وترحيل فوري لجميع النازحين غير الشرعيين واعادتهم الى ديارهم في سوريا ، وبعض آخر طالب بفتح البحر امامهم للانتقال الى اوروبا لتعذر عودتهم الى سوريا. وطالب اخرون برفع العقوبات عن النظام السوري ، وتمويل اعادة الاعمار ليستطيع النظام اعادة مواطنيه دون انتظار تحقيق اي حل سياسي للمشكلة السورية . وفي الختام اصدر النواب توصية جامعة للحكومة للقيام بكل ما يلزم من جهد داخلي وخارجي لاخراج النازحين السوريين من لبنان ، ومحاسبتها اذا فشلت في هذه المهمة.

هذه اليقظة النيابية استرعت انتباه المراقبين وبروز السؤال: عندما اصدرتم هذه التوصية للحكومة، هل كنتم تدركون انها حكومة تصريف اعمال مبتورة ومشلولة يقاطعها العديد من الوزراء ، ويطعن نواب آخرون بشرعية اجتماعاتها وبمقرراتها، فيما ان ما تطالبون به يحتاج الى وجود حكومة كاملة الصلاحيات وقادرة على اتخاذ القرارات وملاحقة تنفيذها ، وحائزة على ثقة المجلس النيابي كما يقتضي ذلك النص الدستوري . وهل كنتم تدركون ان تشكيل هكذا حكومة غير متوفر في ظل عجز المجلس النيابي عن الاجتماع وانتخاب رئيس جديد للجمهورية منذ الواحد والثلاثين من شهر تشرين الاول سنة 2022 لكي تستقيم الامور في البلد وتعود مؤسسات وسلطات الدولة الى العمل المطلوب وطنياً وشعبياً. اما كان احرى بكم واجدى ان تبادروا فوراً الى التحول الى هيئة ناخبة وانتخاب رئيس للدولة ؟

ومن ناحية اخرى ، ان ما طالبتم الحكومة به يفترض وجود بلديات وقوى امنية وعسكرية فاعلة ، فهل هذا متوفر في ظل الاوضاع الراهنة ، خاصة بعدما قرر المجلس النيابي التمديد للمجالس البلدية المنحلّ عدد كبير منها او العاجز مادياً عن القيام بالمهام المطلوبة منه في مواجهة تداعيات النزوح السوري؟

ومع الاخذ بالاعتبار ما هو حاصل من تعطيل لعمل المجلس النيابي وشرذمة لتركيبته، نسأل ارباب السياسة وقادة الاحزاب والتيارات ، وطارحي مشاريع الحلول الفئوية لمشكلة النزوح من منطلقات مذهبية او طائفية او مناطقية : هل استجابة النازحين غير الشرعيين لشرط تشريع وجودهم في لبنان، يبطل التداعيات الديموغرافية والمعيشية والاجتماعية والصحية والتربوية والامنية ؟

هل يؤدي ذلك الى وقف التجاوزات على الحدود، ويقفل المعابر غير الشرعية المشرّعة لمافيات التهريب المدعومة من ذوي الشأن والمصلحة في لبنان وسوريا على السواء؟

هل ستستقيم العلافات بين السلطات اللبنانية ونظيرتها السورية ؟ وهل سيخفف ذلك الاحتقان المتزايد في الشارع بين اللبناني والسوري؟

وفي المقابل، لو رفض النازحون غير الشرعيين العودة الى سوريا وادى ذلك الى تفاقم العلاقات بين لبنان وسوريا ؟ وماذا لو قبل عدد من النازحين غير الشرعيين الانتقال بحراً بصورة غير شرعية الى اوروبا التي لا تريدهم، هل من مصلحة لبنان معاداة الدول الاوروبية ، والمنظمات الدولية والاممية؟

واكثر من ذلك : هل تدارس المسؤولون اللبنانيون والسياسيون تداعيات اخراج السوريين المتواجدين في لبنان بصورة غير شرعية ، الذين يعملون في مختلف المجالات والقطاعات الاقتصادية ، على هذه القطاعات التي ستصاب بالشلل والتوقف لتعذر ايجاد يد عاملة سواء كانت لبنانية او اجنبية ؟

لكل ما اشرنا اليه، يتبين ان كل هذه المسائل التي طرحنا اسئلة حولها تحتاج الى جهد جدّي مواكب لمحاولات ايجاد حلول لمشكلة النزوح السوري بعيداً عن التسرع والعصبية الفئوية والعنصرية ، والا فان الامور ستتعقد اكثر لان كل حل مبتور لحل مشكلة بحجم النزوح السوري يترتب عليه ظهور مشكلات اكثر تعقيداً او خطورة!!

هذه الاسئلة والعديد غيرها لن تجد اجوبة عنها وحلولاً لها ، الا اذا سارع النواب الى الاجتماع وانتخاب رئيس جديد للجمهورية ، كمدخل الزامي لتشكيل حكومة جديدة فاعلة وكاملة الصلاحيات ، قادرة على وضع الخطط الانقاذية وتطبيقها بعد اعادة تشكيل وتنشيط الادارات والمؤسسات لكي يصبح لبنان قادراً على تجاوز المحن التي يعاني منها ، فهل سيفعل النواب؟ مع العلم ان مختلف الحلول الدولية والاقليمية كلها بعيدة المنال في حال بقي لبنان على ما هو عليه من انقسام وشرذمة وسلطاته ومؤسساته معطلة .

جميل جداً الموقف اللبناني الجامع من ضرورة ايجاد حل سريع لمشكلة النزوح السوري في لبنان . واجمل منه بالطبع الاجماع على انقاذ لبنان من كل معاناته الوجودية، فهل يعي ذلك ارباب الحكم والسياسة ، ويتجاوزون مختلف العقبات والعراقيل ويعملون معاً باندفاع وطني لاعادة بناء الدولة في لبنان؟