تحتل المنطقة العربية موقعاً جغرافياً يعتبر من الأهم استراتيجية في العالم، خاصة “تلك الزاوية القائمة، فلسطين ولبنان التي تشكل حلقة وصل بين أفريقيا، وآسيا، وأوروبا عبر المتوسط”، كما يصفها محمد حسنين هيكل، والتي تشكل بوابة عبور الغرب إلى الشرق، مهد الحضارات والثقافات والفلسفات القديمة، ومصدر الخيرات والثروات الذي وصفه المؤرخون الغربيون بأنه “جبال من ذهب وفضة”. لذلك تعرضت المنطقة إلى موجات من الغزوات، والاحتلالات، والحملات، والانتدابات على مر العصور.
ومما زاد من الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة، القيام بفتح “قناة السويس” عام 1869، التي اختصرت المسافات والزمان للوصول إلى الشرق، بدل الالتفاف حول “رأس الرجاء الصالح”، وأصبحت المنطقة برمتها هدفا استعماريا، خاصة من قبل بريطانيا التي سعت بكل ما نملك من نفوذ وقوة إلى ضمان ممر آمن إلى الهند “درة التاج البريطاني”.
أضف إلى ذلك كله، الأهمية الدينية التي تتمتع بها هذه المنطقة، كونها موطن الديانات السماوية أو الإبراهيمية الثلاث، وخاصة مدينة القدس مدينة التقاء محمد والناصري، وأرض كنعان التي وعد بها ابراهيم ثم موسى من بعده.
وإذا رجعنا أكثر إلى عمق التاريخ، وصولا إلى العهد التوراتي في القرن السابع عشر قبل المسيح، نرى أن أرض كنعان كانت قبلة ابراهيم الخليل الذي ترك مدينة أور الكلدانية، وعبر من أرض بابل إلى أرض كنعان، يوم قطع له الرب يهوه عهداً جاء فيه:
“وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض كنعان، ملكاً أبدياً، وأكون إلههم”.
وفي الإصحاح الأول من “التثنية” بقول الاله المسلح الذي يتصف بصفات إله البركان والعاصفة: “ارتجلوا وادخلوا جبل الأموريين وكل ما يليه من العربة، والجبل والسهل، والجنوب وساحل البحر، أرض كنعان ولبنان، إلى النهر الكبير نهر الفرات، تملكوا الأرض التي أقسم الرب لأبائكم ابراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيها لهم ولنسلهم من بعدهم”.
وفي الإصحاح 31 بقول الرب لموسى:
“فتجندوا كما أمر الرب، وقتلوا كل ذكر والملوك أقتلوم فوق قتلاهم، وسبى بنوا اسرائيل نساءهم، وأطفالهم، ونهبوا جميع بهائمهم … وكل أملاكهم، وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وحصونهم بالنار”. وفي الإصحاح 33، يقول الرب لموسى:
“كلم بني اسرائيل وقل لهم، أنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان، فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم ..وتخربون جميع مرتفعاتهم وتقتسمون الأرض بالقرعة حسب أسباط آبائكم تقتسمون.”
ويصف الإله الرب يهوه أرض الميعاد بأنها:
“أرض جيدة، أرض أنهار من عيون، وغمار تنبع من البقاع والجبال. أرض حنطة وشعير وكرم وتين ورمان. أرض زيتون وزيت وعسل، أرض حجارتها حديد ومن جبالها تحفر نحاساً”.
هذه هي أرض الميعاد التي وعد بها يهوه شعب اسرائيل: “الذي اختارك الرب لتكون شعب الله المختار، فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض”. وهذا الوصف لأرض كنعان يتماشى ووصف الغرب للشرق بأنه “جبال من ذهب وفضة”.
ونسمع صوت يهوه في الإصحاح 23 من التوراة مخاطباً شعبه المختار، قائلاً:
“هو ذا الشعب الذي لا ينام حتى يأكل فريسته، ويشرب من قتلاه، ويقضم عظامهم”.
ويقول يهوه في الإصحاح 32: “أنا أميت وأحيي، أسكر سهامي بدم، ويأكل سيفي لحما”.
وكذلك، نسمع النبي اليهودي ميخا في الاصحاح 11، يخاطب بني صهيون قائلاً:
“قومي ودوسي با بنت صهيون، لأني سأجعل قرنك حديداً، وأظلافك أجعلها نحاسا، تسحقين بها شعوباً كثيرين”.
هذه هي العهود التي وقعتها الإسباط اليهودية العبرية مع إلهها الحصري يهوه، عهود مهرت بالدم، قدم من خلالها اليهود الطاعة العمياء للاله الرب مقابل حمايته لهم وإعادتهم إلى أرض كنعان.
وهذا هو العهد الدموي الذي تبنته الصهيونية مع السيد الاستعماري الغربي، يقدم فيها اليهود الولاء للإستعمار مقابل حمايته لهم وأعادتهم إلى فلسطين، أرض الميعاد، عهد تبنته الصهيونية في سياساتها التدميرية والإلغائية للآخر، من أجل قيام الدولة القومية لبني اسرائيل، فتلاقت مطامع الاستعمار وأهداف الصهيونية، وتماهى الاثنان، وتلازم المساران الاستعماري والاستيطاني. فصدق الصهاينة الرواية الدينية التوراتية الحتمية التي تقول بحماية الله الأزلية لشعب اسرائيل المختار، وحتمية انتصاره النهائي، بعد تطهيره بالمعاناة، وعودته إلى صهيون عبر رحلة التيه في سيناء، وبعدها العبور إلى فلسطين، أرض الجنة الأرضية الموعودة.
وكما شكلت أرض الميعاد قبلة بني اسرائيل، كذلك شكلت القدس قبلة الاستعمار الغربي الذي أرسل حملاته الصليبية لاسترجاع قبر المسيح (1095-1270) من يد المسلمين. وبما أن التاريخ هو كتاب العبر، تحضرنا صورة أوروبا عشية الحروب الصليبية، كما وصفها كبير الفلاسفة الغربيين فردريك هيغل في كتابه “فلسفة التاريخ”: “بدت أوروبا قارة أفقدها الحماس الديني رشدها، فأضلت الطريق إلى الله، وراحت تبحث عن إلهها في القدس، وداخل القبر المقدس وحين فتح الصليبيون القبر المقدس بأيد ترشح دماً من ضحاياهم، لم يجدوا سوى فراغ القبر وظلمته. أما المسيح الذي جاؤوا ليبحثوا عنه في القبر المقدس، فاجأ ذاكرتهم بالقول: لماذا تبحثون عن الأحياء بين الموتى؟”.
وهذا يجعلنا على يقين أن الصليبيين لم يأتوا ليستعيدوا قبراً فارغاً، بل ليستعمروا وينهبوا شرقاً وافر الخير والثقافة، وليؤسسوا لمراحل استعمارية لاحقة.
ويضيف هيغل: “أن بداية الحروب الصليبية جرت أولاً على أرض الغرب حيث ذبح عدة آلاف من اليهود، وتم الإستيلاء على ممتلكاتهم، وبعدها بدأ العالم المسيحي زحفه نحو القدس”.
وهذا القول هو المؤشر لطرد اليهود من أوروبا، وتوطينهم في فلسطين، أرض الميعاد بعد تهجيرهم من أوطانهم الأصلية. “وبعد مجزرة (1096) من قبل طلائع الصليبيين لليهود في ألمانيا وفرنسا، حول اليهود ملكيتهم إلى ذهب وفضة، وتحولوا إلى مرابين”. أن الجامع بين الليبرالية، والفاشية، والقيصرية هو كراهيتهم لليهود، “فتقاطعت رغبتهم لاحقاً بإفراغ أوروبا من اليهود المكروهين، والمشروع الصهيوني الساعي إلى تحرير اليهود من أوروبا”.
أن اليهودي في الوعي المسيحي الجمعي هو على صورة النموذج اليوضاسي الذي باع المسيح بثلاثين من الفضة. وكلمة يهودي في الوعي الأوروبي تماثل كلمة مرابي أو تاجر. وأصبحت كلمة “To Jew” الإنجليزية تعني أن يمكر أو يخدع. وكان المال بالنسبة لليهودي معياراً تقاس به الأشياء. وقد جاء في التلمود: “الذهب والفضة يمكنان القوم على الثبات”، و”الثروة والقوة يفرحان القلب”. واليهود قبائل مترحلة مارست التجارة والربا والصيرفة.
لقد ساهم النظام المللي في الشرق في تواجد الملل في أحياء خاصة بهم، مثل “حارة النصارى”، و”حارة اليهود” في دمشق، لكن الغيتو في الغرب، فرض على اليهود فرضاً، مما جعل الروح اليهودي الديني القومي يتنامى في المعازل. داخل الغيتو، عاش اليهود حياة جماعية حسب طقوس ديانتهم في “صلاة الجماعة، وحفلات الختان، وعادات الطعام، والانقطاع عن الاغيار الذين لا يتزاوجون بهم، أو يدفنون معهم، أو يأكلون على موائدهم”. وهي عزلة كاملة منذ الميلاد، وفي الحياة والموت. لذلك قسم النبي حزقيال العالم إلى “يهود وأغيار”.
وقد امتنع اليهود عن العمل يوم السبت، “سبت التاريخ”، كي يعجل بعودة المسيح في نهاية الزمن، ويعود شعبه إلى أرض الميعاد.
لقد بدأ اضطهاد اليهود في القرن الرابع للميلاد حين اعتنق الأمبراطور الروماني قسطنطين الإيمان المسيحي الجديد. وحين جعلت الأمبراطورية البيزنطية المسيحية دين الدولة، أصبحت أولى الامبراطوريات الطاردة لليهود. فحرمت الدولة المسيحية الرومانية زواج المسيحي من يهودية، ومنعت اليهود من بناء الكنيس، وألزمتهم بوضع إشارات تميزهم عن غيرهم، وحرمتهم من دخول الجامعات، وفرضت عليهم ضريبة الرأس، فقبلوا بالعزل مقابل الأمان، وكان اليهودي يشتري أمنه من الملوك والأمراء والنبلاء، فأصبح المال أهم من خبزه اليومي.
طرد اليهود جماعة من بريطانيا عام (1290)، ثم من فرنسا، والمجر، وإيطاليا، وإسبانيا (بعد خروج المسلمين منها)، وفيينا، وبوهيميا، وأوروبا الشرقية. لذلك وجد اليهود الأمان في الغيتو حيث كانوا يتلون صلوات العودة إلى صهيون، وإحياء مملكة إسرائيل. وهذا ما جعل هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية يقول: “نحن قوم من صنع الغيتو”.
أن العزلة، والخوف من الأغيار أديّا إلى إنبعاث الفكرة الدينية – القومية، وبناء دولة غيتوية عسكرية. وهذا ما جعل جابوتينسكي أحد مؤسسي الصهيونية يقول:
“المهم أن ننطق بالعبرية، .. لكن الأهم أن نكون قادرين على إطلاق النار”، أي بناء دولة عسكرية قوية قابلة للحياة والاستمرار. ومن هنا نشأت فكرة “السياسة هي فن القوة”، وشعارها “العالم يحترم المحاربين لا المذبوحين”. وقد جعلت الصهيونية من الذاكرة الدينية أداة لسياساتها، وأدعى بن غورويون “إن التوراة هي صك ملكية اليهود لفلسطين”.
وعلى الرغم من الاقصاء والإضطهاد الذي عاناه اليهود في الدول الغربية على تنوع أنظمتها، إلا أن الصهيونية نشأت كحركة هروبية، هربت من أوروبا الساحة التي كان عليها أن تخوض فيها معركتها ضد أعدائها اللاساميين الذين حرموا على اليهود العمل السياسي وحق المواطنة، وحددوا لهم وظائفهم الاقتصادية، فما كان على اليهود إلا أن يستندوا إلى عكاز المال بانتظار عودة المسيح المتنتظر الذي سيلم شتاتهم ويعيدهم إلى أرض الميعاد.
وقد تزامن نشوء الصهيونية كحركة عنصرية، استعمارية استيطانية، وسط حمى نشوء القوميات في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر، حيث تسارعت العرقية، والاثنية واللغوية إلى ابتكار هويات قومية، فاندمجت مجموعات، وتشكلت دول جديدة، وزالت أخرى على قاعدة القومية. إلا أن الشعب اليهود قد رفض الإندماج في المجتمعات الأوروبية بسبب ازدياد العداء للسامية من قبل الأوروبيين. فتخلوا عن نهج انتظار المخلص بالإنتقال إلى العمل السياسي والنقابي والتنظيمي، وبدأوا يرفعون مطالب متطرفة للحصول على ملاذ ووطن قومي يجمع شتاتهم، وذلك عن طريق دعوة اليهود للهجرة إلى فلسطين لإقامة وطن قومي يهودي، وهي فكرة متجذرة في تاريخ، ودين، وثقافة اليهود، وفي أعماق اللاوعي الجمعي. فشخصنوا المسيح في زعماء حظيوا بمرتبة النبوة، والقداسة. وكان أبرزهم تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية في مؤتمر بازل عام (1897) الذي حظي بمرتبة “المخلص”، ووصف كتابه “دولة اليهود” بـ “الشريعة الثانية بعد الموسوية.”. وقورن بن غوريون مؤسس الدولة عام (1948) بوريث موسى، يشوع بن نون، القائد العسكري الذي قاد غزو القبائل العبرية لفلسطين الكنعانية.
أن الصهيونية هي مركب فكري يهودي – أوروبي، تمزج بين مدارس فكرية أوروبية متباينة، تشمل البورجوازية، والماركسية والفاشية من جهة، واليهودية في أصلها التوراتي العسكري، القائم على عهد مهر بالدم بين يهوه وشعبه المختار. وقد نتج عن هذا التمازج الفكرة القومية ومشروع دولة اليهود.
أخذ الصهاينة عن الفاشية معتقدها القومي الجمعي، واعتبروا أن الأمة اليهودية هي “ملح الأرض”، و”محرك التاريخ”، تقوم على ثنائية “الأنا واللا أنا” ل “نيتشه”، التي تتطابق وثنائية “اليهود والأغيار”. أن الصهيونية لا تنفصل عن اليهودية، بل توظف أساطيرها بما يخدم أغراضها، فهي ظاهر سياسي لباطن ديني، لذلك يمكن القول أن الدين اليهودي هو عماد القومية اليهودية، ورافد أساس للصهيونية السياسية.
وتلاقت أهداف الحركة الصهيونية الهاربة من الجغرافيا الأوروبية والراغبة في التحرر من أوروبا، ورغبة أوروبا الإستعمارية في التحرر من اليهود المكروهين والمنغلقين على الذات – االجمعية. وقد حملت الصهيونية في طياتها سمات الحملات الصليبية الأوروبية التي ادعت أن هدفها هو إسترجاع الأرض المقدسة، فادعت بدورها العودة إلى فلسطين أرض الميعاد الموعودة.
لقد زعم هرتزل “إن الصهيونية ولدت في مؤتمر بازل عام (1897)، لكن الحقيقة أن ولادة الصهيونية في أوروبا كفكرة لا كحركة سياسية قد سبقت المؤتمر الصهيوني التأسيسي بمدة تقارب الأربعة قرون.
تقول بيان نويهض الحوت، المؤرخة والباحثة في الشؤون الفلسطينية: “ليس من المغالاة بشيء القول أن الصهيونية غير اليهودية كانت قد انتشرت في أوروبا، بيما كان اليهود أنفسهم في أوروبا الشرقية والغربية لا يزالون خارج النشاطات الصهيونية، بل كانوا أكثر الأحيان ضدها، وبعضهم لم يسمع بها بعد، وبعضهم لا يستوعبها عقليا ونفسيا. ويمكن القول أن اليهود كانوا آخر من اكتشف الصهيونية في أوروبا”.
أن فكرة الصهيونية التي تبناها الغرب الأوروبي نقرأها في كتاب مارتن لوثر، مؤسس البروتستانتية “نفاق اليهود”، الصادر عام 1543، الذي خاطب الأمراء الألمان قائلا:
“يجب ألا تتحملوهم بعد اليوم (اليهود)، إنهم يجزفون على مخلصنا المسيح، والعلاج هو بطردهم إلى أرض كنعان، وليمتصوا هناك دم الأغراب”.
ولكن لوثر البروتستانتي كان قد ماهى البروتستانتية واليهودية في كتابه السابق “يسوع ولد يهوديا”، الصادر عام 1523، محاولا “تقريب المسيحية من اليهودية، وتغريب الكثلكة عنها”. وقد أعلن لوثر “أن اليهود أقرب إلى أله المسيحيين من المسيحيين أنفسهم”، وأن كلمة الله وأسفار الكتاب المقدس أنزلت للعالم عن طريق اليهود. وقد أسس أيضاً لصدقية النبوءة القائلة بعودة المسيح الثانية، وإعادة اليهود إلى أرض الميعاد. فالصهيونية هي النسخة السياسية للايمان اليهودي البروتستانتي، أي “أن التوراة هي صك ملكية اليهود لفلسطين”.
ان سر العلاقة بين اليهودي والبروتستانتي يعود إلى تنامي قوة وثروة الطبقة البورجوازية في أوروبا الغربية في القرن السادس عشر التي وجدت في اليهودية القائمة على عكاز المال، المفاهيم المادية والدنيوية والنفعية التي تخدم مصالحها. فالبروتستانتية العائدة إلى اليهودية، إنما كانت تعود إلى تقديس اليهود للحياة الدنيا، وإلى عبادتها للمال، وتمجيدها للنجاح وجمع الثروة. وها هو العالم يصبح يهودياً، بعد أن أصبح اليهودي عالميا بسبب حلول الروح التجاري النفعي في العالم البوجوازي، فلا عجب أن يصرح كولن باول، وزير خارجية أمريكا “أن أمريكا هي دولة مسيحية يهودية”، محدداً بذلك هوية أمريكا الاستعمارية والإمبريالية التي تسيطر على اقتصاد العالم.
“لقد ترقب اليهود نهاية الزمن، ورصدوا العلامات التي تبشر بظهور المسيح أبن داود الذي يجمع شعبه من أربع زوايا الأرض ويعود بهم إلى أرض إسرائيل”. فوجد اليهود علامات الزمن الخلاصي في حركة الإصلاح الديني التي قادها لوثر في وجه أعدائهم الكاثوليك في القرن السادس عشر.
شهد اليهود حركة التنوير اليهودية التي قادها موسى مندلسون في ألمانيا، ومن بعدها حركة الإصلاح التي قادها الحاخام ازرائيل جاكوبسون والمصرفي الألماني، لكن لم تستطع هاتان الحركتان إلغاء وقائع التمييز ضد اليهود والتحامل عليهم في أوروبا، على الرغم من صدور القانون الفرنسي الذي حررهم سياسيا ومدنيا عام (1791)، وقانون نابوليون عام (1897)، الذي تبنته معظم الدول الأوروبية. وقد اعتبر المؤرخ البريطاني اندرو روبرتس أن قوانين نابليون قد أسست في العالم الغربي لمعايير دولة الوظائف بناء على الجدارة والمساواة أمام القانون، واحترام حق الملكية، والتسامح مع الأديان والمذاهب، وعلمنة النظام التعليمي، وابتكار النظم المالية السليمة.
لكن هذه الحركات الإصلاحية، وقوانين بونابرت كلها، كما يقول هرتزل: ” لم تغير الواقع الاجتماعي الرافض لليهود من جهة، وأن تحرر اليهود من المعازل لم يخرجهم من حضانة الغيتو الذي مارسوا فيه يهوديتهم على مدى ألفي، إلى حضن الأمة الأوروبية والاندماج فيها، من جهة أخرى”. “أن فرنسا حررتنا بقانون لا تشعر في وجدانها أنه صحيح، فبقي القانون خارج المجتمع. أنه قانون أملاه الواجب”.
هذا هو واقع الحال الذي عبر عنه هرتزل، وهو رفض اليهود للاندماج مع الأغيار، وكراهية الأغيار لهم.
حاولت البورجوازية اليهودية إنقاذ اليهود من خصوصيتهم الوظيفية، ودمجهم في المجتمعات الأوروبية بهدف الخلاص من اللاسامية التي تهدد مصالحهم، فكان رد ماكس نوردو المفكر والزعيم الصهيوني الألماني: “أن اليهود الأثرياء وحدهم يمكنهم البقاء والعيش في دول لا تسامح فيها، لذلك علينا بالتالي إيجاد ملجأ لفقرائنا، إذا شئنا أن لا نتعرض لسوء المصير”.
لذلك تأولت الصهيونية العديد من الأساطير ومنها أسطورة المسيح العائد في نهاية التاريخ لجمع شتات شعبه على أرض كنعان، وأسطورة خروج موسى بشعبه من الأسر المصري “أرض العبودية” إلى سيناء، بدءا بالتيه ووصولاً إلى اقتحام خليفته يشوع بن نون لأرض فلسطين؛ والتفضيل الإلهي لبني اسرائيل، واصطفاء “الشعب المختار” للرسولية العالمية، والعهد الثنائي بين الإله القومي يهوه وشعبه المختار، والذي يلزم الإله بالحماية والرعاية، مقابل ولاء الرعية المطلق. وقد عادل الصهاينة حقبة “الأسر المصري التي دامت أربعة قرون (1447 ق.م.) بألف سنة من القهر في الشتات الذي وصفوه بالمنفى، وماثلوا هجراتهم إلى فلسطين بالخروج من أرض العبودية إلى أرض الحرية، لذلك اعتبروا هرتزل المسيح المنتظر الذي سيعيدهم إلى فلسطين ويلم شتاتهم من كافة صقاع الأرض.
ويقول وايزمان: “أن الأمل بمجيء المسيح المنتظر، جزء من حياتنا، مغروس في تقاليدنا، ومقدس بدم شهدائنا عبر آلاف السنين. إنه أمل لا يمكن للأمة أن تنساه، دون أن تفقد صفتها كأمة.” وهكذا جمع مؤسسو الصهيونية بين الأسطورة والواقع التاريخي، وحولوا الأسطورة إلى تاريخ.
ولمواجهة اللاسامية، بدأت الجمعيات والمنظمات الصهيونية بالظهور، مثل “جمعية إحياء صهيون”، و”رجوع أهل يعقوب إلى فلسطين”، وذلك بعد اغتيال القيصر الروسي الكسندر الثاني عام 1881، والمجازر التي ارتكبت بحق اليهود بعد اتهامهم باغتيال القيصر. بدأت هاتان المنظمتان بإحياء اللغة العبرية، وشراء الأراضي في فلسطين، وتدريب الشباب اليهودي على حمل السلاح، وتهجيره إلى فلسطين، وبناء الجمعيات الزراعية قرب يافا (1882-1897).
لقد أدرك مؤسسو الحركة الصهيونية أن مشروع الوطن القومي اليهودي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا حظي بدعم دول أوروبية كبرى، فأقاموا حوارا مع كافة الدول الأوروبية ذات المصلحة في التوسع الاستعماري على حساب الدولة العثمانية التي بدأت بالتداعي والانهيار. وقد تسارع الغرب إلى تقاسم تركة العثمانيين، من إيطاليا الفاشية، وألمانيا النازية، إلى فرنسا وبريطانيا وأمريكا، ما عرف بالمسألة الشرقية، وقد أرتكز هذا الحوار على قاعدة توافق المصالح بين الحركة الصهيونية والغرب الاستعماري.
وقد سعى الصهاينة، بدءا بهرتزل، إلى موافقة السلطان العثماني عبدالحميد على السماح لهم بالهجرة، وشراء الأراضي، والتوطن في فلسطين مقابل المساعدة في تنظيم اقتصاد الدولة، وتزويدها بهبات وقروض ترفع عن كاهلها عبء ديونها، والتلويح بولاء سياسي لإمبراطورية بني عثمان. ولكن قوبل هذا المشروع برفض مطلق من السلطان عبدالحميد.
وجد مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل ضالته في الغرب الاستعماري الغارق في الصراعات القومية، والذي بلغ تنافسه على أشده لوضع اليد على مناطق نفوذ العثمانيين بعد تفاقم المسألة الشرقية، فتلازم المساران وتوافقت المصالح.
وقد تحولت الحركة الصهيونية إلى واقع سياسي على يدي تيودور هرتزل، الذي لم يزر فلسطين يوما أو يتكلم العبرية، وإلى مشروع قومي في المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897 الذي شكل الحجر الأساس للصهيونية، هو وكتاب هرتزل “دولة اليهود” الذي نشر عام 1896 والذي جاء فيه: “أن مساعدة أوروبا للمشروع الصهيوني، سيريحها من اليهود المكروهين من جهة، وسيجعل يهود فلسطين حلفاء للغرب من جهة ثانية”.
هكذا لخص هرتزل أهداف الصفقة بين الصهيونية والاستعمار، يقدم فيها اليهود الولاء للسيد الغربي الاستعماري، مقابل حمايته لهم، صفقة تعود جذورها إلى العهد التوراتي الذي وقعته الأسباط اليهودية العربية مع إلهها يهوه، عهد مهر بالدم، قدم من خلاله اليهود الطاعة العمياء للإله الرب مقابل حمايته لهم وإعادتهم إلى أرض كنعان. وهذا العهد الدموي الذي تبنته الصهيونية في سياساتها التدميرية، والإلغائية للآخر، عهد عقده هرتزل مع الإله الأمبريالي الذي وعد بإعطاء أرض فلسطين مقابل “أن يشكل اليهود جزءاً من السور الأوروبي ضد آسيا، ومخفرا أماميا للحضارة في وجه البربرية”، كما يقول هرتزل في كتابه “دولة اليهود”، وعلى قاعدة “التفوق الغربي ومدنيته، مقابل التخلف العربي الإسلامي وهمجيته”.
شارك في المؤتمر الصهيوني 204 مندوبين من يهود العالم، فكان بداية الصهيونية السياسية.
خاطب هرتزل المتجمعين مجترحا الحل لمشكلة اليهود وهو: “وجود دولة يهودية عصرية كحل لمشكلة اليهود في العالم الذين تعرضوا للإضطهاد المستمر في أوروبا”.
وما إن أنهى هرتزل كلمته الافتتاحية للمؤتمر الصهيوني ودعوته لقيام دولة قومية يهودية حتى هتف الحضور “عاش الملك”، ليماهوه بملوك الدولة العبرية (شاوول، داود وسليمان).
وقد رأى المجتمعون أن الوسيلة الوحيدة التي تقرب ظهور المخلص هو تنظيم الهجرة إلى فلسطين والتوطن فيها، وانتظار المسيح على أرضها. فساووا بذلك بين حقوق العلمانيين والمتدينين من اليهود، وزاوجوا بين الماضي العبري وحاجات الراهن السياسي، وبين الذاكرة والحاضر، أي بين الوعي واللاوعي الجمعي.
لقد نجح هرتزل في تنفيذ أهداف المؤتمر الذي عرف بـ “برنامج بازل”. ولكن وعلى الرغم من الإحباط الذي أصاب هرتزل بسبب عدم حماس أثرياء اليهود لتمويل مشروع إقامة وطن قومي يهودي أما في فلسطين أو الأرجنتين أو أوغندا، استطاع أن يروج لفكرة استعمار فلسطين “وإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، يضمنه القانون العام”.
وقد أتت مقررات المؤتمر على الشكل التالي:
1 – تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
2 – تنظيم اليهود وربطهم بالحركة الصهيونية.
3 – اتخاذ السبل والتدابير للحصول على تأييد دول العالم للهدف الصهيوني (أي إعطاؤه شرعية دولية).
4 – تشكيل المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة تيودور هرتزل.
5 – تشكيل “الوكالة اليهودية” لتنفيذ قرارات المؤتمر، ومهمتها جمع الأموال في صندوق قومي لشراء الأراضي وإرسال مهاجرين يهود لإقامة مستعمرات في فلسطين”.
وبعد51 عاما على انعقاد المؤتمر، تحقق الحلم التوراتي – التلمودي بقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948، التي وصفها كمال جنبلاط بالقول: “إنها الإثم العبراني المتحول إلى صهيونية جامحة، قائمة على إستيطانهم لأرض بلاد كنعان، وإقامتهم دولة عنصرية طائفية، واستيلائهم على عاصمة الإلتقاء بين محمد والناصري في القدس المطهرة، وما زال هذا الجيل المندثر يحمل “توراته على ظهره”.
وقد نتج عن هذا المشروع لاحقاً، وبسبب تماهي مصالح الإستعمار وأهداف الصهيونية إلى “اقتلاع شعب فلسطين من أرضه وتشريده، مقابل إقتلاع جذور يهود العالم من مجتمعاتهم وتهجيرهم إلى فلسطين لإقامة دولتهم القومية اليهودية”.
وقد رفض الصهاينة الوافدون فكرة التعايش مع الشعب الفلسطيني، وبدأت عملية التهويد وصهينة فلسطين بسبب عنصريتهم القومية والدينية، ونزع طابعها العربي، وزرع المواطنين اليهود الذين لا صلة بينهم سوى صلة الدين، ولا رابط بينهم سوى العنصرية، ليحلوا مكان السكان الأصليين”.
لقد لاقت مقررات المؤتمر هوى في نفوس الإستعمار الأوروبي الذي شكل الشرق صلب مخططاته منذ بدء الحروب الصليبية، والذي وصل إلى اشده حين تكالب الإستعمار الغربي على تقاسم مناطق السلطنة العثمانية ما عرف “بالمسألة الشرقية”، كما سبق وذكرنا.
وكان نظام الإمتيازات والمعاهدات التجارية والاقتصادية بين الغرب والسلطنة العثمانية قد مهد الطريق لتغلغل الإستعمار الغربي إلى المنطقة العربية، وأولى الامتيازات كانت قد منحت لفرنسا عام 1536، التي سهلت الدخول العسكري لنابوليون بونابرت إلى مصر عام 1798، والذي شكل تحديا لبريطانيا التي استبسلت في سبيل الحفاظ على طريقها إلى الهند “درة التاج البريطاني”.
فنشأ الصراع بين فرنسا وبريطانيا التي أنزلت الهزيمة بالفرنسيين في “معركة أبي فير”، واحتلت مصر عام 1882.
وقد استغل الغرب حركة محمد علي باشا النهضوية القائمة على الأخذ من علوم الغرب وتقدمه، فتنافسوا على بعث الإرساليات التبشيرية تمهيداً للتدخل الإقتصادي، والثقافي، والعسكري، بعد ما غرقت السلطنة بالديون، وضعفت التجارة والصناعة العثمانية بسبب منافسة الغرب لها. وقد أعتبر الأمير شكيب أرسلان أن الإستعمار الغربي قد أستغل التبشير ونظام الملل في السلطة كي يتغلغل في المنطقة العربية، فيقول: “إن المبشرين يمزجون الدين بالسياسة، فكان الدين وسيلة، وأما السياسة فكانت الهدف الحقيقي، وهو استعمار الشرق، وتنفيذ مهمة التنصير”، و”لذلك عمل الإستعمار على أبقاء العرب والمسلمين قابعين في مستنقع الذل والتخلف من جهة، مقابل أن ينعموا بخيراته وثرواته من جهة أخرى”.
لذلك حاول الإستعمار إحباط محاولة محمد علي باشا لتأسيس أمبراطورية عربية موحدة ومترامية الأطراف، وفصلها عن السلطنة العثمانية من الهلال الخصيب حتى الجزيرة العربية، وضمها إلى مصر، فهبّ الغرب لمقاومة المشروع واخفاقه خوفا من سقوط الدولة العثمانية المتهالكة، وقيام دولة قوية متينة بديلة تحت سيطرة محمد علي. وكانت بريطانيا الأشد معارضة لهذا المشروع الوحدوي للحفاظ على طريقها إلى الهند.
وقد أحبط الغرب مجددا، وعلى رأسه بريطانيا، محاولة الوحدة العربية الثانية حين حاول الشريف الحسين بن علي أن يقيم ملكاً عربياً في الجزيرة العربية والهلال الخصيب. وقد لعب العميل الاستخباراتي البريطاني توماس لورانس الذي أدعى مناصرته للثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين الدور الأساس في خداع العرب بعدما نكث بوعده للعرب بالحرية والإستقلال، إستجابة للمخطط البريطاني الهادف إلى ربط المنطقة العربية بالمصالح البريطانية. وقد أعلن لورانس جهارا أهداف المؤامرة بالقول:
“أن أهدافنا الرئيسية هي تفتيت الوحدة الإسلامية، ودحر الامبراطورية العثمانية، وتطويع الحركة القومية العربية عن طريق مواجهة العرب للعثمانيين والقضاء على الإثنين معاً”.
وقد سعت بريطانيا إلى تطويق المنطقة العربية وربطها بمصالحها ومشاريعها، وذلك لتفويت الفرصة على الفرنسيين من التغلغل في المنطقة. وقد صرح لورانس: “أنني أرى أن فرنسا لا تركيا هي عدوتنا فيما يتعلق بسوريا”.
وكان لورانس قد وعد العرب بالحرية والاستقلال كي يكسب جانبهم وجعلهم يقاتلون إلى جانب الإنجليز للقضاء على العثمانيين، فكتب قائلا:
“لقد ساعدت على حبك المؤامرة، وخاطرت، لايماني أن وقوف العرب إلى جانبنا حيوي لتحقيق أملنا في انتصار سريع، بخس الثمن في الشرق، والأفضل لنا أن ننتصر وننكث بوعدنا من أن ننكسر”.
وبعد مؤتمر بازل الصهيوني في عام 1897، الذي عقد بدعم من الدول الأوروبية الإستعمارية، خاصة وأن اليهود كانوا يشكلون القوة المالية التي يستدينون منها، تشابكت مصالح الإستعمار والصهيونية، من جديد، وتماهت الأهداف. وعاد الاستعمار الأوروبي ليمتطي صهوة الصهيونية، فدعت بريطانيا، الأشد رغبة في قيام دولة إسرائيل لضمان طريقها إلى الهند، إلى عقد مؤتمر كامبل بنيرمان (Campell Bennerman) عام 1907، في لندن بدعوة من رئيس الوزراء البريطاني الذي سمي المؤتمر بإسمه، وذلك لإيجاد آلية للحفاظ على مكاسب الدول الاستعمارية، وإطالة أمد الاستعمار. وقد شارك فيه كل من الدول الاستعمارية: بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا وإيطاليا. إعتبر المؤتمرون أن الدول الغربية الإستعمارية هم ورثة السلطنة العثمانية “وأن البحر المتوسط هو الشريان الحيوي للإستعمار، لأنه الجسر الذي يربط الشرق بالغرب، والممر الطبيعي إلى القارتين: الآسيوية والإفريقية، وملتقى طرق العالم، ومهد الأديان والحضارات. ومشكلة هذا الممر أنه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية، شعب واحد، تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان”.
أجمع المؤتمرون على أن “مصدر الخطر الحقيقي على الدول الاستعمارية يكمن في المناطق العربية من الدولة العثمانية، بعدما أظهر شعوبها يقظة سياسية ووعياً قومياً ضد التدخل الأجنبي، والهجرة اليهودية، والحكم التركي”.
لذلك أوصى المؤتمر: “أن خير وسيلة لإطالة عمر الإستعمار هو تفكيك وتجزئة المنطقة العربية، وانتشار دويلات مصطنعة تابعة للإستعمار، وفصل الجزء الإفريقي عن الجزء الآسيوي، وقيام دولة قوية عازلة على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم وبالبحر المتوسط، وعلى مقربة من قناة السويس”، هي دولة إسرائيل.
ويتساءل التقرير:
“ماذا لو دخلت التقنية الحديثة، ومكتسبات الثورة الصناعية الأوروبية، وانتشر التعليم، واستغلت ثرواتها الطبيعية، عندها تكون الضربة القاضية للامبراطوريات الاستعمارية التي ستؤدي إلى انهيارها”.
لذلك وللحفاظ على مصالحهم ومكتسباتهم، قررت هذه الدول “استمرار وضع المنطقة المجزأ، ومحاربة إتحاد شعوبها، والإبقاء على جهلهم وتفككهم، وفصلها عن بعضها البعض، بإقامة حاجز بشري على الجسر البري الذي يربط آسيا بإفريقيا، ويربطهما بالبحر المتوسط، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للإستعمار وعدوة لسكان المنطقة، هي دولة إسرائيل”.
وقد وصف الكثيرون من المؤرخين هذا المؤتمر بأنه “أخطر مؤتمر لتدمير الأمة العربية والإسلامية، وهدفه إجهاض النهضة العربية، وعدم استقرار المنطقة من خلال زرع كيان صهيوني، هو بمثابة السرطان للوطن العربي بشكل عام، ولفلسطين بشكل خاص”، وزرع خنجر في خاصرة العرب، وإقامة مخفر أمامي لحماية مصالح الإستعمار في الشرق.
لذلك نستطيع الجزم، أنه ليس من باب الصدفة أن تتلاقى أهداف الصهيونية في مؤتمر بازل بإقامة “دولة قومية يهودية على أرض فلسطين”، ومصالح الاستعمار الغربي كما وردت في مؤتمر “كامبل بنرمان” ومقرراته السرية التي ظهرت فيما بعد إلى العيان بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. وتولى الملياردير اليهودي جاكوب روتشيلد، أكبر داعية للصهيونية وممول للحركة الاستيطانية في فلسطين، تنفيذ وعد آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا، بموافقة بريطانيا على “إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين”. وتحويل المنطقة العربية إلى مناطق نفوذ تتقاسمها الدول الغربية الاستعمارية فيما بينها. وقد تقاطعت هذه الرغبة، إضافة إلى مشروع إفراغ أوروبا من اليهود، المكروهين والمتحكمين بالقوة المالية، مع المشروع الصهيوني الإستيطاني فتلازم المساران.
ونظراً لموقع فلسطين الاستراتيجي، حاولت بريطانيا وضع اليد عليها بعدما قاومت الوجود الفرنسي في المنطقة، وأنشأت أول قنصلية لها في القدس عام 1838، وبدأت بتهجير اليهود إلى فلسطين على متن بواخرها. وبريطانيا التي نكثت بوعدها للعرب بالإستقلال والحرية، لم تنكث بوعد بلفور لليهود عام 1917. وعلى الرغم من اقتراح حاييم وايزمان “رئيس منظمة الصهيونية العالمية”، وأول رئيس لدولة إسرائيل، أن تكون الدولة القومية اليهودية في أوغندا أو العريش أو قبرص، لكن مصالح الإستعمار الغربي، وخاصة البريطاني، فرضت قيامها في فلسطين بحجة “أن فلسطين وطن بلا سكان، فيجب أن تعطى لشعب بلا وطن”، كما ادعى أحد كبار الصهاينة، “وأن تكون فلسطين يهودية، كما هي بريطانيا انجليزية وفرنسا فرنسية”.
واقترح بن آفي قائلاً: “على اليهود أن يطهروا وطنهم فلسطين من الغاصبين، وأن أمام المسلمين الصحراء والحجاز، وأمام المسيحيين لبنان، فليرحلوا إلى تلك الأقطار”.
ووفاء لوعد بلفور، صرح تيودور هرتزل: “أن الصهيونية هي الرسول الأمين لنشر الثقافة والمدنية والحضارة الأوروبية في الشرق”.
شكلت بريطانيا حارسا أمينا للصهيونية الاستيطانية رعاية لمصالحها، فأصدرت وعد بلفور، الذي نتج عنه اتفاقية سايكس – بيكو الذي إعتنق كل ممن عقدها مارك سايكس البريطاني وجورج بيكو الفرنسي الصهيونية عام 1915 أي قبل عام من انعقادها عام 1916.
وقد وصف وعد بلفور بـ “أنه أغرب الوثائق في التاريخ، إذ منحت دولة إستعمارية أرضاً لا تملكها إلى جماعة لا تستحقها، على حساب من يملكها ويستحقها، ما أدى إلى اغتصاب وطن، وتشريد شعب بكامله على نحو لا سابقة له في التاريخ”.
ثم تلى ذلك مؤتمر الصلح المنعقد في باريس عام 1919، الذي دعم الصهيونية ومشروعها الاستيطاني كون بريطانيا كانت القوة المتحكمة بقراراته.
وكرس مؤتمر سان ريمو المنعقد في ايطاليا عام 1920 بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، العمل على تطبيق اتفاقية سايكس – بيكو، وتوزيع الإنتدابات في المنطقة، فدخلت على أثره بريطانيا من الباب الواسع، الموافق عليه دولياً، إلى المنطقة، ووضعت اليد على فلسطين كدولة منتدبة، مكرسة الصهيونية كحركة سياسية اتخذت فيما بعد طابعها العسكري الإحتلالي الاستيطاني، الذي ما زالت المنطقة ترزح تحت ثقله وتكاد أن يتسبب بتفجيرها وإعادة تركيبها من جديد على مقاس الإستعمار وصنيعته إسرائيل. فهلل الصهاينة لوعد بلفور الذي اعتبروه “إشارة إلهية تؤكد عدم تخلي الله عن شعبه، وإلتزامه بالعودة إلى أرض كنعان”، معتبرين كتاب هرتزل “دولة اليهود” بأنه “إنجيل الحركة الصهيونية”، وبأن التوراة “هو صك ملكية اليهود لفلسطين”، لتتلاقى الأسطورة والسياسة وليتجدد العهد الممهور بالدم على أرض فلسطين.
وهكذا بدأت مرحلة المعاناة للشعب العربي الفلسطيني منذ العام العام 1920، حين تحولت الصهيونية من موقع المفاوض إلى موقع الهجوم. رفض الصهاينة فكرة التعايش مع الشعب الفلسطيني إنطلاقا من عنصريتهم وعدائهم للأغيار، وبدأوا عملية تهويد وصهينة فلسطين، ونزع طابعها العربي تحت ظل الإنتداب البريطاني الذي احتضن المؤامرة وعمل على تنفيذها بين عامي 1922 و1948 وهو العام الذي شهد تقسيمها إلى إسرائيل من جهة، والضفة الغربية وغزة من جهة أخرى.
وقد شهدت هذه الفترة إنتفاضات وطنية قام بها الفلسطينيون وإخوانهم العرب ضد الإدارة البريطانية للولاية الفلسطينية، مطالبين بالاستقلال والحرية، وإنهاء الهجرة اليهودية، ووقف شراء الأراضي.
شكل الشيخ عزالدين القسام نموذجا لطلائع المجاهدين والمقاومين للمشروع الإستعماري البريطاني في فلسطين، في لحظة سيدت نفسها أوروبا ولياً على شعوب المنطقة. فنادى بالكفاح المسلح ضد الإستعمار حيثما وجد، في ليبيا ضد الطليان، وفي سوريا ضد الفرنسيين وفي فلسطين ضد البريطانيين. بدأ الشيخ القسام انتفاضته ضد البريطانيين والصهاينة بعدما شكل جماعة سرية مسلحة انطلاقا من حيفا، حوالي العام 1925، تحت اسم “العصبة القسامية”. واستمرت المواجهات بينه وبين البريطانيين حتى انتهت باستشهاده في تشرين الثاني من العام 1935.
وعلى أثر تمرد واستشهاد القسام، تبنى المجاهدون الفلسطينيون نهجه النضالي، ودعا الحاج أمين الحسيني في أيار من العام 1936 إلى أضراب عام باعتباره يوم فلسطين. ثم تشكلت مجموعات جهادية ضد بريطانيا والمشروع الصهيوني الإستيطاني. وفي العام 1937 حصلت الإضرابات المفتوحة، والصدامات المسلحة العنيفة ضد البريطانيين، الذين قاموا بقمع الثورة بوحشية وقسوة، ما أدى إلى إضعاف الثورة.
وتحت وطأة الضغوط البريطانية، وضغوط بعض الملوك والأمراء العرب، والانقسامات الفلسطينية الداخلية، والعواقب الاقتصادية للإضراب الذي دام ستة أشهر، قامت “اللجنة العربية العليا” بالتفاوض مع “لجنة بيل”. وجاءت المفاوضات مخيبة لآمال الفلسطينيين بعدما أوصت بتقسيم فلسطين إلى دولتين: فلسطنية ويهودية.
إشتدت الثورة بين عامي 1937 و1938، لكن بريطانيا عملت على سحقها ونفي قياداتها، وزج الآلاف من المجاهدين في السجون، وتدمير القرى.
وفي إطار هذا الوضع المتفجر، استغلت المؤسسات الصهيونية الدعم البريطاني، وشرعت ببناء قدراتها العسكرية، ومهاجمة القرى الفلسطينية تحت غطاء بريطاني. عندها تفاقم الخلاف بين أعضاء “اللجنة العربية العليا” المنفيين إلى دمشق والقادة المحليين، ووقع الخلاف بين الفلسطينيين أنفسهم، أي بين الدعاة لإستمرار الثورة، والدعاة للتفاوض مع البريطانيين. أدى هذا الوضع المتأزم إلى نشر بريطانيا ما سمي “الكتاب الأبيض الجديد”، والذي جاء فيها ما يشدد على:
“الوفاء البريطاني تجاه فكرة الوطن القومي اليهودي، والسماح بالهجرة اليهودية خلال خمسة أعوام، بعدها تصبح الهجرة اليهودية خاضعة للموافقة العربية كي لا يحرم الفلسطينيون من أراضيهم، وإنشاء دولة موحدة مستقلة بعد عشر سنوات، مشروطة بعلاقات فلسطينية يهودية مؤاتية”. هكذا وصلت الثورة إلى خواتيمها.
إستغل الصهاينة انشغال العالم بالحرب العالمية الثانية، فركزوا جهودهم على تكثيف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، خاصة من دول الطوق العربية. ثم بدأت المنظمات الصهيونية بأعمالها الإرهابية ضد العرب على يد بن غوريون، وشارون، وبيغن، وتهجيرهم من أرضهم ليحل محلهم اليهود الوافدون من كافة جهات العالم، وجمع شتاتهم في أرض الميعاد، وهو الأمر المقدس عند الصهاينة القائم على أسطورة دينية ما زال اليهود متمسكين بها حتى الساعة. فكانت النكبة الكبرى عام 1948 التي كرست إسرائيل خنجراً في قلب فلسطين والمنطقة العربية.
ثم جدد الإستعمار إحكام قبضته على المنطقة العربية مع انبعاث الحلم العربي الوحدوي على يد الرئيس جمال عبدالناصر بعد ثورة 23 يوليو 1952، وضمن معطيات جديدة، غدت مصر هدفا مباشرا للاستعمار والصهيونية في آن، خاصة بعدما سلم عبدالناصر مشروع بناء “السَّد العالي” للسوفيات على أثر تخلي الولايات المتحدة عن تنفيذ المشروع، وقام بكسر إحتكار السلاح ورفض المساعدات الإقتصادية من الغرب. ومما زاد من تفاقم الوضع أصدار عبدالناصر لقرار تأميم قناة السويس في تموز 1956. تحرك على أساسه الاستعمار الغربي على الفور، وعلى رأسه بريطانيا وفرنسا، وبالتعاون والتنسيق مع إسرائيل، لمواجهة قرارات عبدالناصر، فكان العدوان الثلاثي على مصر في 29 تشرين الأول من العام 1956. وقد أدى موقف الإتحاد السوفياتي الداعم لمصر في مجلس الأمن إلى فشل العدوان الثلاثي، وإنسحاب فرنسا وبريطانيا وإسرائيل بعد وقف المعركة، وإلى المزيد من التغلغل السوفياتي في المنطقة، ودعمه المباشر لحركات التحرر العربية. لقد شكل العدوان الثلاثي على مصر ثاني الحروب العربية بعد نكبة 1948، ومن أهم الأحداث العالمية في تحديد التوازن الدولي الجديد، وأفول نجم الاستعمار الأوروبي التقليدي، وتنامي التواجد الأمريكي والسوفياتي في المنطقة.
بعد تقلص الدور البريطاني والفرنسي في المنطقة على أثر العدوان الثلاثي، أصبحت الولايات المتحدة اللاعب الأكبر والأساس، والداعم الأول لإسرائيل، والساعي إلى عسكرتها، خاصة بعد إعلان “مبدأ إليزنهاور” الذي نص على مساعدة الدول الصغيرة ماليا واقتصاديا وإذا اقتضى الأمر، عسكريا. عندها تلاقت مصالح أمريكا في المنطقة ومصالح الكيان الإسرائيلي.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتعدى السطح السياسي إلى عمق ديني – ثقافي متجذر في وجدان ملايين الأمريكيين المسيحيين – اليهود الذين يشكلون اللوبي الصهيوني، والذين تعود أصولهم إلى الأصوليين “الطهريين (The Puritans)، الذين هاجروا إلى القارة الأمريكية من بريطانيا عام 1660 بعد هزيمة مشروعهم السياسي، حاملين معهم شريعتهم الموسوية في وجدانهم. وليس مستغربا أن يجاهر وزير خارجية أمريكا كولن باول في عهد الرئيس جورج دبليو بوش بالقول في إحدى إطلالاته التلفزيونية: “أن أمريكا هي دولة مسيحية – يهودية”.
حولت أمريكا إسرائيل إلى قاعدة عسكرية لها لحماية مصالحها في المنطقة، وللتصدي لتغلغل الإتحاد السوفياتي إلى المنطقة الذي كان يدعم بالسياسة والسلاح حركات التحرر العربية من أجل الحرية والاستقلال، ودحر الاستعمار ورأس حربته أمريكا. فأصبح من المسلمات أن يصبح أمن إسرائيل من أمن أمريكا، والعكس صحيح.
وبعد قيام ثورة 23 يوليو عام 1952 في مصر ووصول “الضباط الأحرار، إلى السلطة، ومن ثم تنامي فكرة القومية العربية، والوحدة العربية إبان الفترة الناصرية، بادرت أمريكا إلى تشجيع قيام الأحلاف المعادية للوحدة العربية، ومنها “حلف بغداد”، بين العراق، وإيران، وتركيا، وباكستان، للوقوف في وجه هذه الوحدة، وللتصدي لنفوذ الاتحاد السوفياتي والمد الشيوعي خلال الحرب الباردة بين الدولتين العظمتين.
شكلت “الوحدة السورية المصرية” حافزا للولايات المتحدة كي تضاعف جهودها للتفرقة في المنطقة، والحد من تنامي قوة عبدالناصر وتوجهه الوحدوي.
وعند قيام “ثورة 1958” في لبنان التي كان من أهدافها الرئيسية منع الرئيس كميل شمعون من الدخول في حلف بغداد، لم يتردد الرئيس شمعون، وإستناداً إلى “مبدأ أيزنهاور”، من استدعاء الأسطول السادس للنزول على الشواطئ اللبنانية لإحباط الثورة، ومنع لبنان من الانضمام إلى “الجمهورية العربية المتحدة”.
نزلت القوات الأمريكية في بيروت ليس فقط لإحباط ثورة 1958، والحد من نفوذ عبدالناصر، ولكن خوفاً من دخول العراق في هذه الوحدة بعد الإنقلاب العسكري الذي قاده كل من عبدالسلام عارف وعبدالكريم قاسم ضد الملك فيصل الثاني، ورئيس الوزراء نوري السعيد.
وقد استطاعت الولايات المتحدة وصنيعتها إسرائيل من إضعاف عبدالناصر ووأد حلم الوحدة العربية، في حرب 1967 التي أدت إلى الهزيمة المدوية للجيوش العربية، بتخطيط أمريكي صهيوني، وتحالف عسكري استراتيجي يحفظ مصلحة الأثنين معا. فقد زودت الاستخبارات الأمريكية إسرائيل بالخرائط والوثائق السرية عن طريق “باخرة Liberty” التجسسية، وأمدتها بالأسلحة المدمرة والذخيرة، فكانت هزيمة العرب المدوية، والتي وعلى الرغم من فداحتها، ما زالت تسمى بالنكسة حتى يومنا الراهن.
وتبعتها حرب 1973، وانتصر فيها العرب، لكن الرئيس أنور السادات قبل بوقف إطلاق النار رغم النصر، قائلا:
“أني لا أستطيع محاربة أمريكا”، وذلك للدلالة على ضلوع الإستعمار الأمريكي وتورطه في حروب إسرائيل.
وبدءاً بالعام 1978، توالت الإجتياحات للبنان بحجة القضاء على المقاومة الفلسطينية والمقاومة الوطنية. وفي العام 1982، إجتاحت إسرائيل لبنان، وكانت بيروت أول عاصمة عربية تدنس ترابها إسرائيل. أدى الاجتياح، إضافة إلى الدمار الهائل الذي سببه على كافة الصعد، والانقسامات الطائفية التي نتجت عنه، إلى خروج القيادات الفلسطينية من لبنان إلى تونس. وقد اعترف الكسندر هيغ وزير خارجية أمريكا، بتورط الولايات المتحدة في إجتياح لبنان، مصرحاً:
“أن الحملة الإسرائيلية على لبنان كانت بتخطيط، وتمويل، وتسليح كامل من الإدارة الأمريكية”. ما يؤكد تلازم المسارين الإستعماري والصهيوني.
إنسحبت إسرائيل من بيروت والمناطق، لكنها بقيت متمسكة بجنوب لبنان الذي تمَّ تحريره عام 2000 تحت ضغط من المقاومة الإسلامية والوطنية. وتلتها حرب تموز المدمرة بين حزب الله وإسرائيل، التي دامت أربعة وثلاثين يوما، وانتهت بإصدار القرار 1701 الذي نص على انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وتعزيز القوات الدولية، اليونيفيل، وخرج منها حزب الله منتصراً.
واليوم وبعد هجوم “طوفان الأقصى” في سبعة تشرين الأول 2023 الذين شنته حماس، يعود سيناريو تلازم المسارين بين الصهيونية والإستعمار بشدة وبعنف لم تشهد لهما المنطقة مثيلا من قبل. تعاود فيه إسرائيل تجديد العهد مع حليفها وصنيعها الإستعمار، خاصة الأمريكي بالذات، والذي تطوق بوارجه المنطقة العربية، عهد ممهور بدم أطفال ومدنيي غزة وجنوب لبنان، وسياسة الأرض المحروقة، والدمار الشامل للبشر والحجر، من قبل إسرائيل وحلفائها، هذه الدولة العنصرية، والإجرامية، والإستبعادية والكارهة للأغيار، والقائمة على جذر ديني، توراتي، تلمودي وأسطوري دموي، والتي يسعى من خلالها الإستعمار إبقاء العالم العربي في حالة من التشرذم والضعف، خاصة بعدما تسابقت معظم الدول العربية للتطبيع مع هذا الكيان المجرم، الذي تمادى في حربه الإبادية وما زال يمعن قتلا وتدميرا حتى الساعة.
وهكذا أستطاع الإستعمار والصهيونية حشر المنطقة العربية بين فكي كماشة أو بين سندان إسرائيل ومطرقة الإستعمار، إلى أجل قد يطول أو يقصر، والعلم في طيات الغيب، وذلك حسب ما يخططه الإستعمار وإسرائيل من رسم لخرائط جديدة تمعن في تفكيك وتفتيت المنطقة العربية على أسس دينية أو عرقية وإثنية، خدمة لإسرائيل وحماية لمصالحها، وعلى قيام سايكس – بيكو جديد، بأسماء جديدة ولاعبين جدد.