“ان المبادئ التي اخذت تهز ضمير العالم ، والتي هي الملح الجديد للاجيال الطالعة او الغرس الذي اتانا به المرسلون ، قد يكون جاء الوقت لكي نقطف ثماره من خلال تطبيق سليم لمبادئ الحرية والمساواة والتضامن والاخوة.

تفكّرت كثيراً بما يمكنني ان احدثكم عنه في هذه الامسية ، فشؤون الساعة في لبنان كثيرة جداً، وهي على كل شفة ولسان ، لكنني وجدت ان كل هذه الشؤون هي في النهاية سواسية ، فلن يبقى منها بعد مدة قصيرة او طويلة شيء لاننا تعودنا في لبنان التسوية في كل شيء، لفلفة الاشياء ، لهذا السبب لم ولن نتمكن، من ان نكون دولة في المعنى الصحيح للكلمة، اذ ان كل شيء قائم على فكرة عقاب وثواب فمن لا يعاقب لا يستطيع ان يصوّب احداً من الناس. وليس هذا المبدأ هو مبدأ الاخرة، بل هو مبدأ الدنيا ايضاَ. لذا فضلت في هذا الحديث شأناً من شؤون الساعة لا يمكن ان نغيب عنه في اي حال، وارى خطورته على المجتمع اللبناني وعلى المجتمع العربي وعلى المجتمع الشرقي ، وحتى على المجتمع العالمي ، وألخّصه بكلمة صغيرة ، اننا قادمون في كل مكان على مواجهة التحدي الكبير للآلة ، للعلم ، للمجتمع العصري المتقدم الذي يسمونه مجتمع الاستهلاك ، ولا فائدة لنا ان نفعل كبعض الطيور التي تخفي رأسها في الرمال لكي لا ترى ، بل علينا واجب ان نرى ما يحصل من امور ، وما يلي من بعدها. لقد بدأنا نعيش الهموم الواسعة والمشاكل المعقدة، والتحديات العميقة، والازمات الحادة التي بدأت تواجهنا ، وتواجه العقل البشري ، والحضارة الانسانية في هذه الحقبة من الزمن ، والمخاطر التي تترتب على انتشار الاسلحة النووية والجرثومية والكيميائية المبيدة للبشرية بشكل ساحق، وقد اخذت هذه المخاطر تتجسّم بسبب تكاثف وتصاعد التلوث في الهواء ومياه الانهار والبحار والتربة والنبات والحيوان .”

(المرجع: من محاضرة لكمال جنبلاط في بلدة روم (جزين) بتاريخ 1/9/1972 – وردت في الصفحة 81 من كتابه “في مراقي الامم”)