لطالما كتب الكثير عن الأفكار والقناعات وحتى الفلسفة الروحانية التي حملها الزعيم المعلم كمال جنبلاط , والتي جمع فيها بين الحرية الفردية في الخيارات ومنطق اللاعنف والقانون الإنساني والحقوق والعلمانية والدين والأدب والتصوف وهو من القلائل اللذين يملكون هذه القدرات في المعرفة المتنوعة والعميقة في آن من السياسة إلى الفلسفة والتاريخ والأدب وصولا إلى اليوغا ..

وعلى الرغم من اهتمام كمال جنبلاط في أفكاره وقناعاته بأهمية المرأة ودورها في الحياة العامة ومنها السياسية ، إلا أن الظروف التي رافقت مرحلة الاهتمام بحقوق الإنسان والمساواة ودور المرأة في المجتمع لم تتجاوز فكرة الترويج لتمكين المرأة ومنحها الفرص الكاملة في المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية وهي اقتصرت في كتاباته باتجاه إزالة القيود التقليدية ومنح الفرص المتكافئة في المجتمع والمساواة بين الجنسين في مختلف المجالات وتحقيق العدالة الاجتماعية .

مما لا شك فيه ان الظروف السياسية والاجتماعية التي رافقت تلك المرحلة في التعليم لم تسمح بتجاوز القيود تحت شعار المساواة بين الجنسين التي كان يطمح لها جنبلاط لكنه نشر الوعي لاهمية هذه المشاركة ، وهو الذي قرأ وشهد على العديد من النساء في العالم لا سيما من يعتبر أنهم تركوا تأثيرا كبيرا في الحياة السياسية ومنهم من أشار لهم في احد مقالاته بالقول ” السيدة نهرو (أنديرا غاندي) لعبت دوراً أهم وأصعب من دور والدها بالرغم من أنه كان عبقرياً. وكذلك كان الأمر مع السيدة بندرانايكه في سيريلنكا، وغولدا مائير رغم بشاعتها. ولذا يجب إفساح المجال للنخبة النسائية بأن تلعب دورها أيضاً كالرجل”.

في احد المقالات التي صدرت في صحيفة الأنباء في السبعينيات قال ” أعتقد بنظرتي الخاصة أن عند النساء صفات غير موجودة عند الرجال، فروح التضحية والصبر والاهتمام بالمسائل الاجتماعية موجودة عند النساء أكبر مما هي عند الرجال. فنساء عدّة حكمن، فكانت عندهن جرأة وشجاعة أكثر من الرجل. ولا شك في أن هناك وزارات في الدولة تنجح فيها المرأة أكثر من الرجل، ويمكن أن تكون في حقل القضاء أقل عرضة للتآثر بالشفاعات من الرجل. وعلينا أن نسهّل الطرق للمرأة في النضال والعمل الاجتماعي والخدمة العامة.

هذا الكلام الذي مر عليه اكثر من خمسين عاما ، يبدو انه وقعه ورغم تغير الظروف السياسية والاجتماعية ، لم يسمح للحزب التقدمي الاشتراكي بدفع المرأة نحو المشاركة المباشرة بالترشح للانتخابات أو باختيارها في مناصب وزارية ، واقتصرت التجربة على بعض البلديات أو المشاركة غير المباشرة في العمل الحزبي .الاسباب عديدة ولا تقتصر على الحزب الاشتراكي ، بل العديد من الأحزاب وبنسب متفاوتة ، ولكن العتب الكبير من الجمعيات النسائية والمراقبين يأتي من ان اول من دعا إلى المساواة وميز حضور المرأة في السياسة كان كمال جنبلاط .

في اي حال ، ليس سهلا الكتابة واختصار مواقفه بشأن دور المرأة في مقال ، وهو الذي كان محاطا بوالدته السيدة نظيرة التي لعبت دورا اساسياً في تعليمه ووعيه السياسي بعد اغتيال والده ، وزوجته السيد مي أرسلان التي تزوجها مدنيا في جنيف وكانت حاضرة ثقافيا وسياسيا حيث نسجت صداقات سياسية واسعة .من هنا فإن مناداة الزعيم جنبلاط بتوسيع هامش عمل المرأة ، يأتي منسجما مع حياته التي خَبِر فيها دورا مميزا وطبيعيا للمرأة في السياسة .

صحيح ان درب تمكين المرأة وتطور دورها في الحياة العامة ،ليس مفروشا بالورود ولن يكون سهلا ، لكن الصحيح أيضا ان من عمل تاريخيا على ترسيخ الوعي لاهمية هذا الدور والدعوة إلى تطبيق المساواة بين الجنسين ، كما فعل كمال جنبلاط وغيره هو الذي أدى إلى تحفيز الأحزاب السياسية على اتاحة المساحة للمرأة في الحياة السياسية ومنها النيابية والوزارية .ويبقى ان نشير إلى ان موقع المرأة ليس منفصلا عن تقدم النظام السياسي وتطوره بحد ذاته في اتجاه بناء الدولة المدنية الإنسانية الحرة علمانية كانت ام مدنية ، البعيدة عن الطائفية السياسية وعن الفوارق بين الجنسين ، ..