نعني بالمدنية لا المدنية الرأسمالية المادية الغاشمة التي لا تعنى إلا بجزء سطحي من شخصية الإنسان. هذه المدنية المرتكزة على عبادة المادة وعلى تحصيل المال وعلى الطبقيةوعلى استغلال فئة لفئة وعلى الجاه الزائف وعلى إرضاء الميول الأولية للإنسان ومن ضمنها شهواته ونزاعاته الفيزيائية المنمّطة وعلى التناحر الخفي والظاهر ومن نتائجه المنازعات الداخلية والحروب الدولية.

 إن المدنية الجديدة التي نقصد، هي المدنية الكاملة التي تعني الإنسان بجميع مناجيه وإمكانياته ككائن بيولوجي واجتماعي واقتصادي ونفسي والتي تفرض العناية ذاتها بحالاته البيولوجية وبمتطلباته الاقتصادية ونزاعاته الاجتماعية والنفسية والروحية والمدنية الإنسانية الجديدة التي نقصد هي المدنية الفاضلة التي تعتبر أن تطور الحياة قد تحول بفضل هذا الوعي وهذه الحرية المتزايدة في الإنسان إلى تطور اجتماعي وأخلاقي ونفسي هدفه استنباط القيم وإنشاء الأنظمة الاجتماعية والأخلاقية والروحية، وأننا أداة مكلفة في الواقع بتحويل التيار الحي الزاخر بالإمكانيات منذ فجر الحياة إلى فكر وشعور وإشراق وقيم حق ومحبة وجمال.

( المرجع: كتاب كمال جنبلاط رسالتي العدالة الإنسانية صفحة 155 )