ان التاريخ يسير بخطى اوسع واكبر من العقائد الاجتماعية والسياسية التي تبرز في احدى مراحله . وسبب ذلك ان الايديولوجية او العقائدية التي تكون متطورة وتعددية وطليعية في التقدم ، عندما تبرز الى الوجود ، لا تلبث من ان تتجمد وتتحجر في قواعد ومفاهيم واساليب تبتعد بها عن الروح التجريبية الاصيلة في كل عمل بشري ناضج ومتطور ، وعن هذه الذهنية البراغماتيكية التي يشير اليها لينين في اكثر من مناسبة ومكان وخطر التحجر والتعقد والابتعاد عن الواقع المتبدل والمتغير باستمرار ، يصيب العقائد السياسية والاجتماعية اكثر مما يصيب النظريات العلمية والعلم ومفاهيم العلم ذاته ، لسبب بسيط جداً ، لان العلم يتبنى التجربة والاختبار في كل شيء. فكل تجربة تناقض النظرية العلمية القائمة السابقة تدفع بالعلماء الى تكوين نظرية جديدة بمكنها ان تفسر واقع هذه التناقضات .
من هذه المواجهة العلمية الصحيحة التي تأخذ في الاعتبار اعتماد وتفاعل جميع التناقضات في كل المستويات التي تؤلف الشخصية البشرية والشخصية الاجتماعية وتطور الحضارة والتراث ذاته ، وما يجب ان يتحقق في حياة الانسان المعاصر .
(المرجع: كتاب رسالتي العدالة الانسانية ص. 197)