الحرب العالمية الثانية دمرت العديد من دول العالم المتحاربة ، وانهكت اقتصاداتها وعملاتها وقواها الحية ، باستثناء الولايات المتحدة التي بقيت الحرب وويلاتها بعيدة عن اراضيها فاصبحت اقوى واغنى دولة في العالم. وبهذه الصفات طرحت نفسها قائدة لعالم ما بعد الحرب. اشرفت على تأسيس مختلف الهيئات والمنظمات الدولية التي سترعى السلام العالمي وتعيد اعمار ما تهدّم، خاصة في اوروبا (مشروع مارشال) وتحقق عودة النمو الاقتصادي والرعاية الاجتماعية وفرضت دولارها اساساً لتحديد قيمة سائر العملات.
هذه الانطلاقة رافقها الامل بنمو افضل للبشرية جمعاء في ظل عصر السلام الاميركي. ولكن ، سرعان ما تبدلت الامور وتبددت الامال ، وبدأت التساؤلات والشكوك حول مصداقية القيادة الاميركية ونزاهتها: ترفع شعارات رنانة وتمارس افعالاً مناقضة لها. فقد بدأت تتصرف كفريق بدلاً من وظيفة الحكم التي نذرت نفسها لها. تبنت سياسة الاحلاف العسكرية الفئوية وسباق التسلح والحرب الباردة ، والتدخل كطرف في العديد من القضايا الطارئة والحروب الاقليمية التي ترتب عليها تقسيم كل من المانيا وكوريا وفييتنام والهند والصين مروراً بقرار تقسيم فلسطين وزرع دولة عنصرية عدوانية في قلب الوطن العربي.
فمع هذا القرار الذي حالت الولايات المتحدة دون تنفيذه فيما بعد ، بدأت اكبر مأساة في التاريخ الحديث ضد الشعب الفلسطيني لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم : ابادة جماعية ، تدمير العمران ، تشريد وتهجير ، وحرمان من حق العودة او ممارسة الحق في تقرير المصير وبناء الدولة المستقلة ولو على جزء من ارض فلسطين . ومسؤولية كل ذلك تقع في الدرجة الاولى على الادارة الاميركية التي اختارت الانحياز الكامل الى جانب العدوانية الصهيونية وتعهدت حماية دولة اسرائيل ودعمها مالياً واقتصادياً وعسكرياً تسليحاً وامداداً ودفاعاً عن ارتكاباتها ومنع محاسبتها على اجرامها غير عابئة بالقوانين والشرائع والقرارات الدولية والانسانية التي دأبت على مطالبة جميع شعوب العالم باحترامها والتقيد بها. هذا الدعم المطلق للعدوان الصهيوني اتاح له تهجير من بقي على قيد الحياة من الشعب الفلسطيني ومنعه من العودة الى وطنه وبناء الدولة المستقلة التي قضى بها القرار الاممي للتقسيم . وشجّع اسرائيل على مد سيطرتها على كامل ارض فلسطين واحتلال اقسام من الدول العربية المجاورة لاسرائيل . بل اكثر من ذلك شن ثلاثة حروب عدوانية على لبنان الذي يشكل النقيض لنظامها العنصري بتعدد تركيبته الاجتماعية ونظامه الديموقراطي: الحرب الاولى سنة 1982 ، والحرب الثانية سنة 2006 والحرب الثالثة سنة 2024 الناشبة حالياً والمستمرة بوحشية كبرى تدميراً وقتلاً وحصاراً.
في مواجهة كل هذه الارتكابات اللاانسانية التي يقودها المغامر بنيامين نتنياهو مارست الادارة الاميركية سياسة خبيثة وكالت بمكيالين الكلام المعسول والوعود العرقوبية للبنانيين والفلسطينيين وسائر العرب ، والتظاهر بطرح حلول توقف الهجمة الصهيونية على الفلسطينيين واللبنانيين وتعيد السلام للمنطقة والدعم الفعلي الكامل لاسرائيل في كل المجالات لتمكينها من مواصلة ما ترتكبه بحقهم من مذابح وتدمير وابادة. وقد وصل الامر بنتنياهو ان يعلن من على منبر الجمعية العامة للامم المتحدة انه يسعى لتدمير كل من يقف في وجه مشروعه لاقامة شرق اوسط جديد تتزعمه اسرائيل وترعاه الولايات المتحدة الاميركية .
كل هذا حصل ويحصل ومرشح للاستمرار والتفاقم لدرجة نشوب حرب عالمية شاملة ، ولا امل بوقفه طالما لا بديل في الافق لقيام نظام عالمي جديد متعدد الاقطاب اكثر صدقية ونزاهة لانشغال روسيا في حربها على اوكرانيا ، وانشغال الصين في استعادة وحدة اراضيها ، وانشغال الهند في مشاكل حدودها مع الصين والباكستان ، وتعذّر بروز اقطاب جديدة حتى الان في اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية واوروبا العجوز التي تعاني من عودة العنصرية القومية بين شعوبها في معظم دولها.
وفي هذا السياق اتذكر مقالاً للمعلم كمال جنبلاط نشرته جريدة الانباء بتاريخ 14/2/970 بعنوان “الاجرام الاميركي” جاء فيه:
“تفهّمنا ان تصبح الولايات المتحدة ذات مصالح كبرى في العالم تريد ان تحميها وتحافظ عليها وتعوّدنا ان تجري فيها مدافعة عن الحق والحرية والديموقراطية والعدالة والانسانية انسجاماً منها مع مبادئ ثورتها الكبرى وحربها الاستقلالية ، ولم يبرز الوجه البشع للسياسة الاميركية الا بعد الحرب العالمية الثانية بعد خروج هذه الدولة من عزلتها والتصرف في الشؤون العالمية تصرفاً مغايراً تماماً للمبادئ التي قامت عليها وبشرت بها. فقد انحرفت سياستها واتجهت نحو حماية مصالحها الذاتية. وحرمان الاخرين من ممارسة هذا الحق وانحازت الى جانب الصهيونية العالمية وقوة الضغط التي تتمتع بها في الولايات المتحدة الامر الذي نتج عنه مشاكل لها مع العديد من دول العالم، وانعداماً للثقة بينها وبين الدول العربية لانحيازها الاعمى الى جانب اسرائيل وحمايتها من اية محاسبة على ارتكاباتها ومدّها بالمال والسلاح ، وتعطيل اي قرار يصدر بحقها من المنظمات الدولية وكأن اسرائيل هي الولاية الاميركية المفضلة .”