في عقد الستينات من القرن الماضي وبالتحديد في العام 1966 شهد لبنان من أرباب الحكم والسياسة خروجاً على القواعد الدستورية ، وتلاعب في صلاحيات الحكام وتهافت على الوزارات وتنازع على الحصص نتج عنه عرقلة وفشل في ممارسة الحكم . وللخروج من هذا الإرباك المعطل لشؤون الناس ، طالب كمال جنبلاط بالعودة إلى القواعد لتستقيم الأمور في مقال تحت عنوان :” العودة إلى القواعد ” نشرته جريدة الأنباء بتاريخ 19-11-1966 ، وورد في كتابه ” لبنان والجسر الوطني المقطوع” صفحة 195 جاء فيه:

“لا يستقيم الحكم بدون قواعد، وبدون تصميم عام يجعل من بناء الدولة الذي نرتأيه ونتصوره، ونريد تحقيقه عملياً هيكلاً كاملاً وشكلاً تاماً في نفوسنا قبل أن يتجسد في القوانين والمراسيم في أعمالنا.

 فلا يكفي أن تعالج الأمور بروح التسرع أو بذهنية المقامر على الأشياء وبعقلية قوّالي السياسة ومنتهزي شؤون الحكم الذين هم إنعكاس للسياسات الصغيرة والحلول المرتجلة والمصالح الآنية الضيقة التي تعمر في صدور أغلبية السياسيين. فالتسابق على الكراسي أو الرغبة في البقاء في الكراسي الذي نشهده هذه الأيام بهدف الوصول أو البقاء جنياً للمكاسب.”

 واليوم بعد مرور حوالي 60 سنة ورغم كل ما واجهه لبنان من أزمات ومناكفات ومنازعات وحتى اقتتال وفرض وصايات واحتلالات أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم من انهيارات ومناكفات وتعطيل للمؤسسات في الداخل ، وما نواجهه من مخاطر خارجية على الكيان ومصير البلد ما زلنا في إدارة شؤون البلد نمارس السياسات ذاتها وكأننا هوات انتحار أو تشاطر على حساب البلد ومصيره .

ففي التاسع من شهر كانون الثاني ٢٠٢٥ وبعد تعطيل تسبب بشغور منصب رئاسة الدولة وشلل السلطات والمؤسسات انتخب النواب رئيساً جديداً للجمهورية هو العماد جوزاف عون . حرص الرئيس المنتخب في خطاب القسم أن يبعث الأمل في نفوس اللبنانيين التواقين لاستقامة الأمور في الدولة فقدم تعهدات بالسعي لتحقيق برنامج عمل متكامل لإعادة بناء الجمهورية بعد طول المعاناة والتعطيل . هذا الإعلان لاقى تأييداً منقطع النظير من اللبنانيين وتأملوا استمرار هذه الأجواء وتجاوب أرباب السياسة والنيابة مع هذه الرغبة الصادقة للرئيس بالإسراع في تشكيل حكومة منسجمة وقادرة على تحقيق ما يتطلبه الإصلاح المنشود من خطط ومشاريع قابلة للتنفيذ والإنقاذ . تتألف من وزراء يتحلون بالكفاءة والنزاهة والالتزام بالروح الوطنية الجامعة يقدمونها على ما خلالها من ارتباطات على اختلافها .

توقع الرئيس كما سائر اللبنانيين أن يلاقي السياسيون هذه الرغبة التي تصب في مصلحة الوطن والمواطنين فيتوافقون بسرعة على تشكيل هذه الحكومة ففوجئوا بعودة النغمة القديمة ذاتها التي أوصلت البلد إلى المعاناة الشاملة ومواجهة المخاطر المتفاقمة وراحوا يفرضون الشروط ويتنازعون على الوزارات والحصص ، فأطل التعطيل من جديد ومع مرور الأيام بدأت تتزايد العراقيل وكأننا ندخل في مرحلة الشغور الحكومي بعد الخروج من الشغور الرئاسي مع ما يعني ذلك من تداعيات على المواطنين ومخاطر على الوطن وكأن هؤلاء السياسيين باتوا سجناء هذا المنطق النفعي الفئوي الآني ومخالف للدستور والقوانين والأعراف والمفاهيم الديمقراطية السليمة . إلى هؤلاء نقول من جديد مع المعلم كمال جنبلاط : عودوا إلى القواعد الدستورية والقانونية فهي وحدها السبيل لإنقاذ لبنان من معاناته بإعادة بناء المؤسسات الرسمية على أسس وطنية وحدها تكفل تحقيق الإصلاح وفي عدم الاقدام على ذلك استفحال التداعيات وتفاقم المخاطر وعندها حتى ما تتنازعون عليه يصبح هباء بعد انهيار هيكل الوطن على الجميع.

 وفي الثامن من شهر شباط الحالي حصلت الصحوة وتشكلت حكومة “الفرصة الأخيرة” حكومة الكفاءات التي رفعت شعار: “الإصلاح والإنقاذ” التي لاقت ارتياحا في الداخل والخارج وشكلت بارقة أمل للبنانيين بإمكانية التعافي والإنقاذ بعد طول معاناة .والمطلوب لتحقيق ذلك من نواب الأمة ، مواكبة خطط الحكومة ومشاريعها الإصلاحية المنتظرة وإصدار التشريعات اللازمة لها من جهة، ومحاسبتها في حال الإخلال بالوعود والتعهدات من جهة ثانية عسى أن تكون براعم ربيع لبنان تبشرّ بالخير للجميع .