حرب الابادة الجماعية التي تشنها اسرائيل على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية منذ الثامن من شهر تشرين الاول عام 2023، وتهدد بمثلها على لبنان واللبنانيين ، حرّكت من جديد القضية الفلسطينية وضرورة ايجاد حل لها كمدخل لتحقيق سلام في الشرق الاوسط طال انتظاره وسط توترات وانقسامات وحروب داخلية لدواع مذهبية او عنصرية ، وتدخلات دولية واقليمية تتباين وتتصارع مشاريعها للسيطرة على المنطقة .

فما هي حقيقة هذه الدعوات وما المتوقع منها؟

من المعلوم ان النظام العالمي الحالي الذي تتفرد الولايات المتحدة بإدارته لا يزال يخضع لما تقرره ادارة هذه الدولة ، ولهذا انطلقت الدعوة من الرئيس بايدن للسعي لاقامة دولة فلسطينية الى جانب الدولة الاسرائيلية على ارض فلسطين كمدخل لتحقيق سلام شامل بينها وبين سائر الدول العربية . وقيام شرق اوسط حليف للولايات المتحدة في مواجهة مشروع اقامة شرق اوسط ممانع ومحور مقاوم تقوده ايران . واراد بايدن من اطلاق الدعوة في هذا الوقت التغطية على ما ترتكبه اسرائيل من فظاعات تدميرية والغائية تهدد المصالح والمشاريع الاميركية في منطقة بالغة الاهمية بالنسبة لها كما تهدد اسرائيل حليفتها المدللة في مصيرها ووجودها المفروض على المنطقة .

يأتي ذلك بعد مرور اكثر من عقدين على طرح المبادرة العربية من القمة العربية في بيروت سنة 2002 لاقامة دولتين في فلسطين على اساس اعادة الارض مقابل السلام . اي اقامة دولة فلسطينية على حدود حزيران 1967 لتحصل اسرائيل على السلام مع الامة العربية . وكانت هذه الدعوة قد قوبلت بالرفض الاسرائيلي وعدم الاكتراث الدولي عامة والاميركي خاصة .

هذه الدعوة المتجددة اليوم هل سيكتب لها النجاح ام ستبقى رهينة التطرف وفشل النظام العالمي ؟

ان ما يحصل على ارض الواقع وميدان الجبهات المتحاربة يؤكد انها ستبقى مجرد سراب واوهام للاسباب التالية :

1- الموقف الاسرائيلي المتطرف الرافض عنصرياً القبول بأي حل للقضية الفلسطينية والساعي لتحويل اسرائيل الى دولة يهودية عنصرية لا مكان فيها لغير اليهود ، ومن اجل ذلك نراه يستمر ، بمختلف الوسائل، في التوسع بتطبيق سياسة الاستيطان والتضييق على الفلسطينيين اعتقالاً وسجناً وطرداً من بيوتهم وممتلكاتهم ، وحتى ممارسة الابادة الجماعية بحقهم او تهجيرهم الى خارج وطنهم فلسطين. فكيف لهذه الممارسة ان تساهم في مشاريع تحقيق السلام في الشرق الاوسط بايجاد حل عادل للقضية الفلسطينية ؟

2- الموقف الممانع الذي تتصدره ايران منذ قيام ثورة الخميني وتشكيلها فيلق القدس المطلوب منه العمل لتحرير القدس وكامل فلسطين من الاحتلال الصهيوني المدعوم من الولايات المتحدة. وقد نجح قادة هذا الفيلق في تشكيل منظمات مسلحة في العديد من الدول العربية ، واقامة محور المقاومة ووحدة ساحاتها. هذا المحور يرفض صراحة اي مشروع للسلام والتطبيع مع اسرائيل ويهدد بازالة كيانها الاستيطاني ، واخراج الولايات المتحدة التي يصفها بدولة الاستكبار والشيطان الاكبر واعادة بناء دولة فلسطينية على كامل ارض فلسطين .

3- غياب الدور العربي الواحد والفاعل القادر على فرض الرؤية العربية لسلام عادل في المنطقة على اساس الارض للفلسطينيين والسلام لاسرائيل ، بسبب التفكك العربي والخلافات والانقسامات العربية ، وتحوّل العديد من الدول العربية عن العروبة والالتحاق بالمحور الايراني الرافض لأية حلول لا تخدم تطلعاته وطموحاته الاقليمية . واكبر برهان على الفشل العربي هو عجز دول الاعتدال العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة على انجاز حتى هدنة في حرب غزة المدمرة وفي حرب لبنان المهددة لكيانه وبقائه.

4- عدم صدقية الموقف الاميركي ومن ورائه النظام العالمي القائم في مواجهة المشكلات الطارئة التي تهدد السلم العالمي والسلام والامن في الشرق الاوسط. فالمطالب بإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 لا يستخدم حق النقض في مجلس الامن ليمنع قبول عضوية الدولة الفلسطينية في الامم المتحدة.

والمطالب بالهدنة ووقف حرب الابادة في غزة والضفة الغربية لا يستمر بتزويد اسرائيل بأسلحة الدمار الشامل التي تمكّنها من مواصلة عدوانها الوحشي اللاانساني ، والذي يدّعي احترامه لحرية الرأي والتعبير لا يقمع مظاهرات طلاب الجامعات بحجة انها موجهة ضد اسرائيل وتشكل عداء للسامية . كما انه لا يضغط على محكمة العدل الجنائية الدولية حتى لا تصدر احكاماً مطلوبة لتحقيق العدالة الانسانية ومعاقبة حكام اسرائيل على ارتكاباتهم بحق الانسانية .

لكل هذه الاسباب سيبقى السلام في الشرق الاوسط ، بل في العالم اجمع مجرد اوهام طالما ان النظام العالمي الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة وصل الى هذا المستوى من انعدام المصداقية وازدواجية المعايير، وطالما ان النظام العالمي الاكثر مصداقية وعدلا لا يزال بعيد المنال وفي عالم الغيب.