كلمة المحامي فؤاد جان ناصيف في اللقاء الروحاني الذي نظمته رابطة اصدقاء كمال جنبلاط في مقرها بتاريخ 7/12/2011
نلتقي في مناسبة، هي الأكثر يُمناً Auspicious والأكثر دلالةً حسب التقليد الروحاني الهندي الهندوسي، هذا التقليد الذي تغذى منه المعلم كمال جنبلاط ومارسه بإحترام كلّي وتعمّق فيه بصورة مميّزة ومشعّة. المناسبة هي مناسبة ذكرى مولد الفرد.
يشرفني أن يتسني لي في هذه المناسبة أن أكرم المعلم، الكريم في العطاء الروحاني العملاني في بيئتِنا اللبنانية الخاصة، والذي لعب دور ال “أوبا غورو” Uppa Guru في مسيرتي الروحانية الشخصية، بالرغم من أنه لم يتسنى لي التعرف اليه جسدياَ بسبب فارق العمر. (سوف أفسر كلمة “أوبا غورو” بعد حين)
أشكر هذه الرابطة الكريمة ومن ورائَها والقييمين عليها لإستضافتِهم ودعوتهِم لي لإعطاء شهادتي في هذه المناسبة الفريدة. أشكر على الأخص معالي الأستاذ عباس خلف للإهتمام وحفاوة الترحيب لي بين أصدقاء كمال جنبلاط وقبولي عضواً في الرابطة. هذا الترحيب الذي أراحني كثيراً ويجعلني الآن أتفاعل مع الجميع هنا ب”أخذ الراحة” والثقة التي تأتي من البساطة الطبيعية. أشكر ايضاً الأستاذ سعيد الغُزّ الذي يبدو لي أن صداقة ذات معنى بدأت تنمو بيننا.
الغورو والأوبا غورو
كلمة Guru تعني المرشد الروحي أو أكثر تحديداً “مُزيل الجهل” أو مزيل الغُبار. فباللغة السنسكريتية، عبارة “غو” تعني “الذي يُزيل” و عبارة “رو” تعني “الغبار” فالغورو إذاً لا يزيد على ما أنت بشيء ولا يعلمك شيئاَ جديداً، أنما يساعدك على إزالة غبار الجهل لتظهر المعرفة والنور الداخلي الموجود أصلاَ ولكن المختبىء تحت طبقات من الجهل Ignoranceأو الوهمIllusion سببها التعلّق وتحديد الذات Identification بالهوية المادية الظرفية. حسب التقليد الروحي الهندي أهم أمر للباحث بصدق عن حقيقة ذاته، أن يجد معلمَه الروحي أو الغورو.
أما ال”Uppa Gurus” فهم ال”غوروز” المساعدون، أي أشخاص أو ظروف أو كائنات في الطبيعة تلعب دوراً ثانوياً مساعداً في درب الفرد الروحانية.
أهمية عيد المولد في التقليد الهندوسي
عندما يولد طفل في عائلة هندوسية أول ما يقوم به الوالدان هو زيارة الفلكي او العرّاف (وهو إختصاص روحاني في هذه المجتمعات) لإعلامه بمكان ووقت الولادة (الذي يجب ان يحدّد بالدقيقة). عندها، يُكوّن الفلكي الخريطة الفلكية للطفل Astrological Chart ويدرُسُها حسب التعاليم الفلكية المتشعبة ويُعلم الوالدَين عما ستكون ميول هذا الطفل وأطباعه، وما هي المحطات البارزة في حياته، ما يجب عليه أن يتجنَبَه، ما هي نقاط ضعفِه الجسدية، وما هو المطلوب منهما لمساعدته على إتمام قدره على أفضل وجه، إحتراماً للكارما Karma ومجموعة السمسكارزSamskaras التي سوف تسيّرُه. (سوف افسر كلمتَي كارما وسمسكارا بعد حين)
وبعدها تُصبح ذكرى الولادة مناسبة للعودة الى الذات وتكريم النفس التي خلقها الله أو الكَون في هذا الوقت بالذات. مع الملاحظة أن علم الفلك المتّبع، الJyotish system، يرتكز على النظام القمري، لا الشمسي فذكرى الميلاد مرتبطٌ بما هو معروف بنجم الولادةBirthstar الذي لا ينطبق يومه على نفس التاريخ من كل سنة حسب التقويم الغربي. والمُلفت أن الإحتفال بعيد الميلاد في التقليد الهندوسي لا يكون بتلقي الهدايا من الآخرين، بل بتقديمها لهم. ويمثل ذلك شكراً للخالق على هدية الحياة برغبة منا بالعطاء.
فإذا ما أردنا حقاً تكريم كمال جنبلاط في هذه المناسبة علينا الإنفتاح على عالمِه الروحي هذا وقبول الهدايا الكثيرة والكريمة الذي قدمها لنا جميعاً لبنانيين ولبنانيات، في ميادين المعرفة الروحية الغنيّة التي كتب عنها وطبّقها في حياته ومسيرته. هكذا نكرم فعلاَ تلك الروح الكبيرة. فلنكرمها الآن بدقيقتي تأمل، نشعر خلالها بالإتصال بروح وروحانية المعلم، نشعر خلالها بالإتصال بجوِّه (ولمن عرِفَه، إستذكار هذا الجو)، جوالمحبة الكونية والإتصال مع الذات، الذات الأبدية المشعّة.
كمال جنبلاط الزعيم الكبير
أذا قمنا بجولة في شوارع لبنانية اليوم نسأل فيها مجموعة متنوعة من الناس عن كمال جنبلاط (أي كما نرى في بعض البرامج التلفزيونية)… ماذا سوف نسمع؟ من المؤكد أنه، بقطع النظر عن المواقف السياسية المؤيدة أو السلبية، سيقول الجميع : إنه رجل سياسي كبير وزعيم بارز.
أما إذا ألمحنا الى مسائل الفلسفة والروحانية فتُصبح درجة الإعجاب والتقدير لدى معظم المجيبين أكبر، مع إضافة، لمن عايش الرجل، لجملة أو خبرية تتعلق بطب الأعشاب أو اليوغا أو التأمل أو معرفة كمال جنبلاط المسبقة بتاريخ إغتياله، الخ…
إذاً الإعجاب والتقدير هو لإنجازات الرجل في الحقل السياسي والإجتماعي، وايضاً لما يعرفه ويستذكره الناس من إطلاع وعلم ومعرفة فريدة وغنية إختزنها الرجل، وتعمّق بها.
لكن هناك بُعد أكبر وأوسع من ذلك في كينونة الإنسان كمال جنبلاط، يُدرِكُه ويفهمُه من يتسنى له الإطلاع والتعمق ومعايشة وممارسة التقاليد والتعاليم الروحية الهندية. ومن يتسنى له فهم أكبر للعالم الداخلي والجو الروحاني الذي كان يعيشُه ويتغذى منه كمال بك.
لإستكشاف وفهم هذا الجو الروحاني أبدأ بطرح سؤال: “كيف كان ممكن لمولود في ظرفٍ أو محيطٍ معيّن محدَّد وملزِم ومحدِّد كالذي ولد فيه كمال جنبلاط أن يتحرر منه ويذهب بعيداً في إستكشاف وتبني ما هو ربما النقيض الكامل لهذه البيئة؟ كيف حصل أن مارس وتعمّق وريث زعامة إقطاعية تقليدية في بلد له وضع خاص جداً مثل لبنان، في تقاليد بعيدة كل البعد عن محيط نشأته؟
كيف لوريث الزعامة الجنبلاطية بالثلاثينات والاربعينات أن يروح يعيش بالهند، يقعد على الأرض ويأكل بيده ويفتش على معلمه الروحي ويجده برجل هندي يبدو عادياَ، حافي القدمًين، أكيد شأنه الإجتماعي أقل منه بكثير… ويسمع له بشغف!! ويقدم له كل إحترام، حتى التقديس! كيف ولماذا؟…
الجواب بسيط. ومن هذا الجواب سأدخل الى الموضوع.
كارما وسمسكارز نادرة
لا يمكن لفرد ولد ونشأ في بيئة مختلفة ومغايرة تماماً عن الأجواء الروحانية السامية الموجودة لدى أصفى حكماء الهند، أن يتعرف ويستكشف ويفهم ويتبنّى ويصبح بسهولة طبيعية مرجعاَ في هذه الروحانية دون وجود إلمام وجهوزية عالية جداَ لديه منذ الولادة، أو حسب الإيمان والمعرفة الهندية لولا تهيئه لذلك من “حياتات” سابقة. لم أقل حياة سابقة، لأن حياة واحدة ليست كافية. أنا قلت حياتات عديدة سابقة لروح عتيقة إختبرت مراراَ وتكراراَ أصفى وأسمى ما يمكن ان تختبره النفس. نفس فردية “أتمان” Atman تتمتع بتكوين داخلي خاص يجذب ويسيّر الفرد الى هذا المسلك السامي، دون التأثربأية عقبة أو حاجز ظرفي ومادي. نفس فاضلة أتت الى هذا العالم حاملةَ Karma وSamskaras نادرة.
دعوني افسر الآن هذين التعبيرين:
الكارما Karma تعبير أصبح اليوم نسبياً معروف. قانون الكارما يعني أن ما نعيشه اليوم، أي الظروف والأحداث التي تحيط بنا أكانت صعبة ومزعجة أو هنيَّة وخيّرة، هي نتيجة أفعال سابقة، ونعني هنا أفعال في “حياتات” سابقة. فنأتي هنا الى هذه الحياة لندفع فاتورة أعمالنا السابقة الظالمة والأنانية “الكارما السلبية” كما لنتنعم بنتائج أعمالنا السابقة الصالحة “الكارما الإيجابية” أو “Punya (Merits)”.
وفي البعد العملاني علينا أن نتفاعل مع كافة الكارمات الحاضرة بصورة صالحة ومتواضعة (أي نتقبل الصعب أو ننعم بالهني بتواضع) لنزرع ونأمن كارما إيجابية في المستقبل… الى أن نتحرر من كل الكارمات ولا يعود من حاجة لأن نعود الى الحياة المادية، فنصير روحاً متحررة أبدية تنعم بالسعادة المستديمة والهناء.
اما السمسكارز Samskaras فهي مجموعة الميول والإنطباعات الرقيقة Subtle tendencies and embedded impressions التي تتكون منها النفس عند تجسدها في هذا العالم المادي. وهي القوى التي تُسيرُنا في خياراِتنا في الحياة وتُحدِّد الأمور التي سوف تستحوذ بإهتمامنا. كالمَيل الخَيِّر الى الروحانية، أوالميل “الشرير” الى إستغلال الآخرين، أوالإنجذاب الى نوع معين من الناس كصاحبي الشخصيات القوية أو الشخصيات الضعيفة، أو ظهور مواهب فنية مميزة منذ الطفولة، الخ…
بعض السمسكارز قد يعبَّر عنها في حياة معينة والبعض الآخر قد يبقى خاماً، نشعُر به من حين الى آخر ولكن لا يتسنى لنا إستكشافُه في حياة معينة، مثلاً في حياتنا الحالية.
أذاً واضح جلياً أن السمسكارز التي أتت مع كمال جنبلاط في حياته بيننا كانت نادرة ومميزة. سمسكارز الجهوزية للتقرب والإهتمام والتعمّق والإستيعاب والتفوّق في كامل جوانب أو مدارس الروحانية الهندية، وإستعمال هذا الخزان الغني من معرفة الذات ومعرفة الحياة، لوضعِه في خدمة واجبه أو قدره “الدارما” Dharma بتولي زعامة سياسية في بلده والتفوق في قيادة نضال سياسي وإجتماعي وحزبي يعرفه جيداً جميع اللبنانيين وجميع المهتمين في الشوؤن العامة في العالم العربي.
ما يُثبت ذلك هو ظهور هذه الميول في كمال بك منذ شبابه الأول. فثار المراهق والشاب على الإقطاعية، وأبعَدَ نفسَه عن الأجواء السياسية كل البعد. وخلال دراسته لدى الآباء العازريين في عينطورة أبدى إهتماماً كبيراً في التعرف والتعمّق في الروحانية المسيحية، خاصة في الكتابات والنظريات الكونية لتيار دو شاردان Teilhard De Chardin ، وهي ربما الأقرب مسيحياً الى توجهات الفلسفات الهندية. بعدها إنكبّ على إستكشاف جوهر الفلسفة الفرعونية والفلسفة اليونانية القديمة، فلسفة “مَولانا” أفلاطون و “مَولانا” سقراط، كما أحب تسميتهما.
والفلسفة اليونانية، كما فسرَ المعلم لاحقاً تقوم على نفس المبادىء ونظريات فلسفة ال”Advaita” الهندوسية (أدفايتا تعني اللاإزدواجية وسأفسر هذا المفهوم بعد حين). كما فسر أن الحكمة الدرزية تقوم أيضاً على نفس هذه المبادىء: معرفة الذات أولاً.
فلسفة الأدفايتا الهندوسية
لا أملك معلومات عن كيفية تعرف أو لقاء كمال جنبلاط مع الفلسفة والروحانية الهندية. ولكن أظن أن ذلك حصل خلال دراسته لعلم النفس والسوسيولوجيا في فرنسا (1937-1939). أتخيل أن روحَه إبتهجت بفرح عميق لدى لقاأته الأولى مع هذه الفلسفة التي تقدم الإختبارات الحيّة المتكررة لِما عَرَضَته الفلسفة اليونانية، وما ترمي الى تفسيره الروحانية المسيحية والإسلامية…
ففلسفة الAdvaita الهندوسية (أي الNon-duality)، تقول أن ما يعيشه الأنسان على الأرض هو غالباً حالة وهِم والمُسبب لهذا الوهم هو النظرة الإزدواجية لأمور الحياة، فالإزدواجية Duality تتترجم بصراع مستديم بين غرضَين: ما يتمناه الفرد وما هو حاصل، فإن كان الحاصل يرضي الرغبة شعر الفرد بالرضى وإعتبر نفسه سعيداً، طالما أن الحاصل يتطابق مع الرغبات. وإن كان الحاصل معاكساً للرغبات، شعر الإنسان بعدم الرضى وإعتبر الحياة غير عادلة. فهذا الصراع الدائم بين ما نتمناه وما هو حاصل، هو ما يعيشه معظم البشر ويؤدي الى التوتر واللاسعادة والصراعات الدائمة داخل النفس بين الآف المشاعر والرغبات المتنازعة (كما في العلاقة بين الأفراد وبين المجموعات وصولاً الى العنف والحروب بين الدول).
أما المدرك والحكيم وصاحب المعرفة الحقة، فعالمه هو عالم اللاإزدواجية (أدفايتا). يعيش حياتاً متحرّرة من قيود الزمان والمكان. يرى الترابط بين مختلف الأغراض ولا يغيب عن ذهنه أن مصدرَها هو واحد. نظرتُه للحياة هي نظرةٌ موحِّدة، لا صراع فيها بين الأغراض ولا وجود عنده لرغبات خاصة تتصارع في ما بينها. فالحياة واحدة تعبّر عن نفسِها بأشكال وألوان جمّة. على الانسان الروحاني أن يقبلها كلها كما هي، إحتراماً للخالق وعظمته.
تتصورون كم كانت فرحة الشاب كمال جنبلاط كبيرة عند بلوغه بلاد الهند لأول مرة؟ هذا الكنز الروحاني الثمين للبشرية جمعاء، وعندما بدأ مسيرة البحث عن معلمه الروحي الخاص وهو الواجب الأول لكل باحث جدي عن الحقيقة في التقليد الهندي. أغلب الظن أنه كان قد تعرف قبل السفر على سيرة وتعاليم العظماء من قديسي الهند المعاصرين كرامانا مهارشي وراماكريشنا باراماهمسا وكريشنامورتي وأنندامايي ما Ramana Maharishi, Ramakrishna Paramahamsa, Krishnamurti, Anandamayi Ma ;فهو وضع صوراً كبيرةً لكلٍ من هؤلاء ال”ماهاتماز”Mahatmas في غرفته الخاصة.
إحتراماً لهم وإستكمالاً لرغبة كمال بك في الكلام عنهم وتكريمِهم أرى من الواجب أن أذكُر الآن القليل عن كل منهم:
الحكيم بغافان رامانا مهارشي غادر هذا العالم عام 1950، فمن المرجح أن كمال جنبلاط قصده في جبل اروناشلا Arunachala ، فجلس بجنبه…. وتأمل بصمت. والفيلسوف كريشنامرتي توفي عام 1986، وقد كتب عنه كمال جنبلاط بالعربية مُقدماً سيرتَه وتعاليمَه ومترجماً بعض كتاباته الشعرية الروحانية (كتاب “الحياة والنور”) ، وأسال نفسي، هل يمكن أن لا يكون قد زاره في الهند أو في بريطانيا ليتبادلا الكلام الفلسفي العميق؟ وهل زار القديسة أننداماي ما (التي غادرت جسدها عام 1982) في فرناسي Varanasi على ضفاف نهر الغانج، في ذلك الاشرام Ashram البسيط المتواضع المُطل على النهر المقدس، الذي زرته للبركة منذ سنتين؟
أسأل نفسي وأتخيّل: بعد عودته من أولى زياراته الغنية لبلاد كريشنا Krishna وراما Rama، كيف تفاعل مع محيطه اللبناني؟ هل تألم مقارناً عالم الروحانية الصافية، التي كان مهيأ لتكريس كل لحظة من حياته لها، مع الأمور البشرية المادية التي سيتطلب موقعه كزعيم شعبي تقليدي أن “يضيّع” وقته فيها؟ ردد أمامي أكثر من شخص عرِفَه أنه كان يصف أحياناً هذا المُعضلة في التوفيق بين هذين العالمَين المتناقضيَن، وكيف أنه كان يتمنى من كل قلبه أن تُبعد عنه هذه الكأس…
سؤال قد يطرحه البعض: بما أن كمال جنبلاط قد عاد ولعب دور الزعيم السياسي في بلده، هل يعني ذلك أنه رضي في آخر المطاف أن ينزل من موقعه الروحي المتفاني الى وحول الحياة المادية؟ أن يصرف أيامه منشغلاً بأمور وشؤون الناس المحض مادية؟ ألا تؤكد الأدفايتا أن صراع الحياة المادية ليس سوى وهم وجهل؟ كيف رضي الروحاني كمال جنبلاط بالنزول الى الوحول الدنيى للدنيا؟
الجواب: في التقاليد الهندوسية هناك مسالك روحية عديدة ومتنوعة يمكن للفرد أن يسلكها في دربه الروحي تماشياً مع ميوله وتكوينه الداخلي.
كلمة يوغا Yoga تعني “الذي يربط” that which links. إي الممارسة التي تربط أو تقرّب الإنسان من المطلق أو الكون أو الرب أو جوهر الحياة أوالجزء الروحاني من الذات.
مسالك اليوغا المختلفة
أبرزمسالك اليوغا هي ال Bhakti Yoga or Bhakti Marga وهو مسلك الصلاة والتقوى وال Jnana Marga وهو مسلك المعرفة والحكمة، وال Raja Yoga وهو مسلك التأمل الصامت، وال Hatha Yoga وهي يوغا الوضعيات الجسدية أي اليوغا بالمفهوم العام ويتفرع عنها إتباع النظام الغذائي النباتي السليم وأصول التنفس الخ…
وهناك أيضاً الKarma Yoga أي القيام بالنشاطات في المجتمع ولكن دون السعي الى المكاسب الشخصية، والتوجّه الى الخدمة الأنسانية المجانية.
يمارس كل فرد المسلك أو المسالك التي تتناسب مع ميوله وتكوينه الداخلي… فأيٌ من هذه المسالك إتبعها ومارسها كمال جنبلاط؟
مسلك الصلاة والتقوى؟ بالطبع فهو كتب الشعر الصوفي المؤثر وأختلى بنفسه يتأمل عظمة الخالق.
مسلك المعرفة؟ تعمّق في هذا المسلك وشرحه كمعلم روحي متمرس فإكتسب بصورة طبيعية صفة المعلم أو السوامي. مسلك التأمل؟ لم يكن هذا المسلك غريباً عنه البتة.
الهاتا يوغا؟ بالطبع فهو إتّبع النظام الغذائي النباتي وتعمّق في مواضيع التغذية (كتحضير عصير عشب القمح) كطبيب باحث في هذا الميدان وكتب الكتب الإرشادية في هذه المواضيع.
إلا أن المسلك الأساسي للمعلم كان مسلك الكارما يوغا، أي العمل في هذه الدنيا وفي المجتمع من منطلق الواجب (Dharma) وليس من منطلق الغاية أو المصلحة. ماذا كان واجب كمال جنبلاط الإبن الوحيد لفؤاد بك والست نظيرة؟ إستلام الزعامة العائلية ورعاية الأتباع والمحافظة على حقوقهم… وهكذا كان.
المعلم شري أتمانندا
فلا إزدواجية إطلاقاً في مسيرة كمال جنبلاط الروحية. نشاطُه في الحياة العملية العامة في بلده، إرتكز وتغذى من مسلكه الروحي مع الهند. هل تعلمون من كان معلمه الروحي في الهند؟ بعضكم يعرف الإسم: شري أتمانندا Sri Atmananda. من هو شري أتمانندا؟ “معلمي ومرشدي مولاي الحكيم شري أتمانندا” كما توجَّه اليه كمال جنبلاط، ذاك التلميذ المتفوق؟ (نجد هذه الكلمات في تقديم كمال جنبلاط لكتابه المعروف “فرح”، كتاب الشعر الروحاني الذي أهداه الى شري أتمانندا).
لم يكن شري أتمنندا من المعلمين المعروفين جداً في الهند. كان يتبع مسلك المعرفة (Jnana Marga)، أي انه كان من ذات مدرسة باغافان رامانا مهارشي و”الصديق الخالد” كريشنامرتي. لكن ما ميّيز شري أتمانندا (الذي غادر الدنيا سنة 1959 عن 75 عاماً) أنه كان رب عائلة وعاش في منزله مع زوجته وأولاده وليس في أشرام Ashram (دَير). وأكثر من ذلك، كان شري أتمانندا ناشطاً في الحياة العملية والمهنية حتى العام 1939. هل تعرفون ما كانت مهنته أو وظيفته؟ كان مدعي عام لدى محكمة تريفندروم في ولاية الكيرالا!! نعم مدعي عام، عُرف عنه أنه كان يطلب أحياناً الإعدام للمجرمين تطبيقاً للقانون ويمضي الليل مع المحكوم عليهم بالإعدام يساعدهم على تنقية روحهم قبل تنفيذ الحكم.
الصورة الكاملة
هل إتضحت الصورة الكاملة؟ ولدت تلك النفس المييزة، وذكرى ميلادِها كان الأمس، في محيط وظروف بدَت لبرهة أنها تتناقض مع ما تصبو إليه وتتوق له تلك النفس. إستكشفت عالمها الداخلي حتى وصلت الى أرقى المنابع الروحية. ومن هناك توضحت الرسالة: تبوّء تلك الزعامة والخوض في معترك السياسة والنشاط الحزبي وحتى حمل السلاح… حتى الإستشهاد، إحتراماً للدارما وللكارما وللقدر الإلهي.
لكن وبالطبع، لم يكن حضور وتعاطي كمال بك في الشأن العام اللبناني عادياً أو تقليدياً البتّة. فهو إنتفض منذ بداية الطريق على الإقطاعية التقليدية، وأنشأ حزباً ديمقراطياً تقدمياً، عرف كيف يكثف من خلاله النشاطات الشبابية والفكرية المفيدة للتنوير والتثقيف. كان الهم الإجتماعي أساسياً في ورشته الحزبية وفي نضالاته السياسية، فإنتهج الإشتراكية وسعى دوماً الى نشر المعرفة والحس المدني.
وهو لم يُهمل أبداً الممارسات الروحية الخاصة (Sadhana) على شتى أنواعها، فطبّق في حياته الخاصة قواعد الغذاء المتّبعة من الرجالات الروحية في الهند واليوغيز Yogis ، ومارس اليوغا والتأمل بإنتظام، وألّف ونشر العديد من الكتب التثقيفية روحياً وترجم وقدم العديد من الكتابات الهندوسية الى الجمهور اللبناني والعربي. وإختلى بنفسه ليوم في الإسبوع، يكون خلاله حراً من قيود متطلبات الزعامة بمعناها الضيّق، قريباً من الخالق، يتأمل بعظمته.
واكثر من ذلك نظم نشاطه بطريقة تسمح له بزيارة الهند بإنتظام والجلوس الى جانب معلمه الروحي لفترات طويلة. فحتى في خضم المسؤوليات السياسية و منها الوزارية، كان يغيب في ربوع دفء الروحانية الهندية لعدة أسابيع أحياناً.
بإختصار يمكننا أنا نستخلص إن الاساس أو رأس الخيط أو الخلفية لكل نشاطات وإبتكارات وإنجازات كمال بك الزعيم السياسي الممييز في لبنان كما عرفه الجميع، كان منبعه الروحي في الهند، والعمق النادر الذي أظهره في إستيعاب أرفع مبادىء الحكمة والمعرفة وممارستها وتطبيقها في كافة نشاطاته اليومية العديدة، حتى العادية منها. فكل من عايش الرجل يخبرنا كيف كان يطبّق بأناقة ملفتة قواعد آداب الحياة، وكيف كان يحاول بدبلوماسية ورقة إنسانية وتهذيب، “تمرير” بعض النصائح اليوغيّة لمن حوله تتعلق بالتغذية النباتية، بالتنفس السليم، بفوائد التأمل وبتذكّر وإحترام القدرة الإلهية… أختار لكل فردٍ ما إستشفّ أنه مفيدٌ له ويتناسب مع جهوزيته للإستيعاب والإستفادة…
أتمنى أن يكون هذا العرض العام قد قدّم بإخلاص الجو الروحاني الهندي الذي أحبه كمال بك ومارسه بحضور ذهني وروحي كامل وتعمق به وتغذى منه بإنتظام…
كما هو واجب،
وفاءً لما أراده وطبقّه المعلم السوامي كمال جنبلاط،
أضع هذه الكلمات على أقدام حكماء الهند الذين عرفَهم وإحترمَهم، وبخاصة معلمُه ومرشدُه “مولانا الحكيم شري أتمنندا”…