الذهنية التي نواجه بها الانظمة والاشخاص والاشياء والحوادث هي اهم بكثير من الانظمة ذاتها. فهي تنطلق من روح العدل والمساواة والمجابهة ، صدق ومبادرة وتضحية وتفهم انساني منفتح ، قبل ان تكون انظمة وسنناً وقواعد ودستوراً وقوانين اجتماع واقتصاد وعيشاً مشتركاً.

وانما بناء الانسان الحقيقي فينا هو القصد والغرض والهدف ، وان الغاية الوحيدة لكل عمل ومؤسسة بشريين هي تفتح كامل ومتناسق لمقدور الفرد. وان المجتمع في كل مؤسساته ليس في ذاته غاية ، بل وسيلة الى بناء الانسان . والدولة تقدّس او تلعن ، تخصب مؤسساتها او تعقّم ، بقدر ما تخدم او لا تخدم هذا الانسان.

طبعاً علينا بادئ ذي بدء ان نحدد ماهية هذا الانسان الذي يتوجب ان نضعه هدفاً وقطباً وغاية لما نصبو اليه. هذا الانسان مسعاه البديهي ومطلبه العفوي هو طلب الافضل على الدوام ، حتى ولو ضاع في متاهات حواسه وشذوذ غرائزه والتواءات تصوّر افكاره ، انه يطلب الافضل لانه يطلب المعرفة ويطلب الوجود ويطلب السعادة. وغاية العلم وقصده، وغاية الرجل العادي ايا كان ، وفي هذا الاتجاه ، واحدة.

والعصر الذي نعيشه اضحى بحاجة الى قدرة التمييز وكفاءة التدقيق اكثر من اي عصر آخر، لتعدد مظاهر سحر الاغراض وتنوعها امام اعين الانسان البدائي القاطن فينا ، وايضاً لان تطبيق العلم الذي نراه هو من توافه اغراض العلم ، وهو يجري على غير هدى ، لا كما يريده العلم ويبغيه العلماء ، بل كما تقذف به الى التحقق والى السوق ، الايدي التجارية التي تهدف الى الكسب المتصل الدائم ، ايا كانت منافع هذه التطبيقات العلمية او مضارها. فالعلم التطبيقي في العصر القائم هو ابعد ما يكون عن العلم الحقيقي، لانه يقصد منه الربح ، لا خير الانسان اساساً وانطلاقاً وغاية .

(المرجع: كتابه “في رحاب التقدمية” ص. 27)