على ضوء مراقبتنا لما يحصل في العالم من تطورات واحداث وانقلابات عسكرية ، يتبين لنا ان الديموقراطية السياسية وانظمة التمثيل الشعبي تعاني ازمة حادة هي في اساس مشكلات الشعوب وفي محور انطلاق تطورها. ازمة تحول ونمو وتطور في اتجاه جديد، او بالحري ازمة تصحيح وتوفيق مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي نعيشه ، ومع واقع حقيقة الانسان..
فالحرية لا يمكن ان تتقلص او تزول من على سطح الارض، لانها من جوهر كينونة الانسان . فالانسان ينزع بطبيعته الى الحرية لانها من صحيحه ، لانها هي والسعادة واحدة.
وكل كائن حي يطلب السعادة ، والسعادة التي نعني لن تويد وتترقّع في الكائن الحي الا على قدر تدرجه وصعوده في سلّم الاجناس الحية ، وفي معراج نمو العقل وتبلوره وظهوره حتى يبلغ مرتبة الانسان – والحرية لا يمكن ان تزول من على وجه الارض لانها من جوهر العقل ، وقد صنع العقل من الوعي المحض الطاهر اي من الحرية . وكل مطلب او تحقق للحرية في هذا الوجود الظاهر ، ومن ضمنه السياسة، هو انعكاس لا اكثر وتجسد جزئي لهذه الحرية الاصيلة فينا. انما الحرية السياسية تمر اليوم في ازمة وتبدو في الظاهر كأنها تتقلص وتنهار وتستبدل بشتى الوان الانظمة الكلية والعسكرية وسواها ، ذلك لاننا نحن كنا لجهلنا وتمسكنا بالتقليد المندثر، السبب المباشر لهذه الازمة لاننا تصورنا ان انظمة الديموقراطية السياسية يجب ان تبقى كما هي عليه دون تطوير او تبديل ، بينما انظمة الاقتصاد والاجتماع والثقافة ومعالم التقنية والعناصر البشرية هي في تبدل وتغير مستمر.
على الديموقراطية السياسية التي نعنيها اليوم ان تنفتح لتحيا ولتنمو في اتجاهات تأسيسية ثلاثة :
1- الاتجاه الاجتماعي ، المتلازم لكينونة الانسان والجماعة خاصة في هذا العصر الذي تسعى فيه كل جماعة الى المزيد من التوحد والانصهار والانتظام العضوي ، وذلك بفضل التكثف البشري والمعنوي المتصاعد الذي يلفّنا ويدفعنا من كل جانب.
2- الاتجاه الاقتصادي الملازم لثورة العصر ، والذي يتبلور في مختلف الانظمة الاشتراكية والاجتماعية
3- الاتجاه التعاوني الذي يعبّر وحده ، في حقل التمثيل الشعبي عن مصلحة الجماعة وعن ارادة الجماعة “.
(المرجع: من خطاب له افتتح به اعمال مؤتمر الاحزاب العربية المنعقد في بيروت في 13 كانون الثاني 1961 ورد نصه في ص.32 من كتابه “محطات انسانية وفكرية وسياسية في تاريخ النضال”)