مع انحدار وتدني القيم المعنوية ، لم يعد للحضارة مفهوم سوى الاثراء والتنعّم المادي وفرض سلطة المال ، وتتميم ما في زوايا النفس من نزوات ، والتغيير والتبديل المستمر في اغراض الاستهلاك وخلق الجديد المتجدد كل يوم على الدوام…

وكأن الانسان اصبح عبداً لما يبصر ، ولما يسمع ، ولما يشمّ، ولما يتذوّق، ولما ينحط به ولما يتلهّى. ففي يده قيد، وعلى رجله قيد، وعلى لسانه قيد، وعلى جوارحه وعلى افكاره وعواطفه قيود… لان الحضارة القائمة قد خلقت لمختلف نشاطاته الفكرية والجسدية قوالب واطارات واغراض يتزايد عددها كل يوم، بل في كل ساعة. والناس في قشور حواسهم ممعنون منصرفون لاهون ، ولا يفطنون للحقيقة ان السعادة هي فيهم وليست فيما تبتدعه لهم الآلة من حاجات وتقدمه لهم من اغراض… وانهم عبثاً في النماذج يفتشون.

وفي الحقيقة قليلاً ما شاهد البشر على مر التاريخ عبودية اقوى واخطر واشد رباطاً للعقول وتأثيراً في النفوس من عبودية العصر القائم. والخطر في ذلك ان الناس ، في حركة سعيهم المستمر وراء الاغراض الحضارية الجديدة ، لا يفطنون بداهة الى ما هم عليه من تعام ومن استرقاق نفسي يزيد في كل يوم تنزّلا في طيّات اللاوعي وفي عادات الحياة اليومية … فلا يستيقظون الا عندما يوافيهم موكب الالم لما انصرفوا عنه واليه او عندما تقع الكارثة.

(المرجع: مقال لكمال جنبلاط نشرته جريدة الانباء في 1/5/1954 ورد في الصفحة 115 من كتابه “تمنياتي لانسان الغد”)