من جديد نعود الى هذا الموضوع ، فعلى ضوء الاستمرار العبثي في تعطيل كل شيء في لبنان ، وتجاهل تفاقم المعاناة التي تطال معظم اللبنانيين وتهدد مصير البلد ، واجبنا الوطني وحرصنا على ضرورة اخراج لبنان من معاناته يفرض علينا تكرار مناشدة ارباب الحكم والسياسة على مختلف مشاربهم ومشاريعهم وطموحاتهم وارتباطاتهم الى يقظة ضمير ووقفة اخلاقية ووطنية تقتضيها المصلحة العامة والولاء للوطن الذي يجب ان تكون له الاولوية على اي تصرف اخر، ونقول لجميع من يعنيهم الامر ويتعاطون السياسة ، ما تعلمناه من المعلم كمال جنبلاط:

“الوطن يبقى اكبر منكم جميعاً، ويبقى الشعب فوق الجميع”

ان ما يعاني منه لبنان واللبنانيون اليوم من انهيارات وانقسامات ومناكفات ، وارتباطات خارجية اقليمية ودولية ، لا ينقذ البلد منه اعتماد نهج التعطيل المتبادل الذي يفاقم الازمات والفراغ على مستوى كافة السلطات والمؤسسات. ولا كلام التعالي على الاخرين وفرض الحلول الفئوية يوصل الى حلول. كما ان انتظار اوهام الحلول من الخارج لا تعطي النتائج المرجوة من هذا الانتظار على ضوء ما نشهده اليوم على الساحة الاقليمية والدولية. فدول المنطقة العربية والشرق اوسطية تعاني من انسداد آفاق التلاقي بين هذه الدول المتناكفة ذات المصالح المتضاربة، والعديد من هذه الدول يعاني من انقسامات داخلية واضطرابات امنية. ودول العالم الكبرى منشغلة بخلافات اكبر واخطر فيما بينها وتباين في الرؤية والمصالح على مستوى العالم، وهي بالتالي عاجزة عن تحقيق اي اتفاق وحلول للمشاكل، ومن بينها مشكلة لبنان . وهذا يعيدنا الى الداخل اللبناني ومساءلة ارباب الحكم والسياسة وسؤالهم : ماذا تنتظرون؟ والى اين تأخذون بلدكم؟ ماذا تفعلون بشعب لبنان الذي منه تستمدون سلطانكم؟

وتجاه هذه الاوضاع البالغة الخطورة على حاضر الوطن ومستقبله، نستذكر استشعار المعلم كمال جنبلاط لمخاطر كانت محدقة بلبنان ، وتحذيره مما سمّاه “هيستيريا الحلقة المفرغة” بمقال كتبه ونشرته جريدة الانباء بتاريخ 16/9/1960 جاء فيه:

“في بعض الاحيان ، من حرقة القلب ومرارة الضمير، نجد انفسنا مضطرين للتحذير والتنبيه من تداعيات ما يحصل في البلد. وذلك بدافع حرصنا على بقاء هذا الوطن ، واستمرار هذا الكيان ، والسعي لتحقيق الوحدة الوطنية. وفيما بعد، ليفعل شعب لبنان ويقرر ما يشاء واي لبنان يريد. وهذا طبعاً من منطق حقوق السيادة الشعبية ، على ان يؤخذ في الاعتبار ، رأي الاقلية، فالاجماع الشعبي ضروري في اقرار كل ما يتعلق بالمصير الوطني .

ونحن نعتقد ان بقاء الوضع الطائفي السياسي، واستغلال الطوائف ، كذرائع لتحقيق المصالح الخاصة الشخصية والعائلية والفئوية ، او تلك المرتبطة بارتباطات خارجية ومحاور ليست من صالح احد ، بل هي تعجل في انهيار البلد وضياع الاستقلال.

علينا ان نعمل مخلصين لازالة القلق والخوف من نفوسنا ، وان نواجه المستقبل بروح التفاؤل والثقة بالنفس والاطمئنان الى المصير. فما من احد سيبتلع لبنان، وما من احد يسهل عليه ان يبتلعنا بدون ارادتنا، ونحن بالطبع لا نريد ذلك.”

ونحن بدورنا اليوم ، نستشعر المخاطر المحدقة بحاضر الوطن ومصيره، وعلى خطى المعلم كمال جنبلاط، ندعو ارباب الحكم والسياسة لليقظة والخروج بأسرع وقت ممكن من “الهستيريا المفرغة” الراهنة. ولا نعتقد ان احداً منكم يريد ايصال البلد الى الضياع. وندعوكم الى التخلي عن كل ما هو خاص والعمل للوحدة الوطنية الجامعة التي وحدها تنقذ لبنان . ما نريده ، ويريده الشعب منكم هو احترام الدستور على حقيقته وروحه ، والتخلي عن التفسير والتأويل الذي حوّل الدستور الى مجرد رأي ووجهة نظر لخدمة مآرب شخصية او فئوية او طائفية . الدستور يرفض كل تصرف يخرج عن الميثاقية واحترام اسس العيش المشترك. ويحذّر انه لا يمكن لأي فئة او مجموعة او طائفة، مهما علا شأنها وعددها وقوتها ان تلغي اي مكون من مكونات النسيج الوطني اللبناني. وتاريخ لبنان يشهد ان كل المحاولات المماثلة انتهت الى الفشل ، واستطاع لبنان تجاوزها بفضل العقلانية والتمسك بالعيش المشترك والتسامح والتلاقي للتوافق على الحلول التي تجمع ولا تفرّق. الى هذا التسامح والتلاقي والسعي لتسوية عادلة صادقة ندعوكم قبل فوات الاوان، فهل انتم فاعلون؟

ونقول لكم اخيراً مع المعلم كمال جنبلاط:

“يجب قبل اي شيء آخر، ان يكون لنا ارض ووطن، قبل ان نفكر بتطبيق اي نظام على هذه الارض وهذا الوطن.”

“تتعرض الشعوب لعمليات قمع وتزوير ارادة وقهر اجتماعي ، ولكن شمس التحرر لا تلبث ان تشرق ساطعة، وتفتح الباب لتحرير الارادة الشعبية ، والسير بالوطن على طريق التطور والتقدم.”