على أرائِكِهِمْ… سبحانَ خالِقهمْ

عمر أبو ريشة

يَحنُ اللبنانيون إلى أيام الحربلأنهم كانوا وقتذاك قادرين ‏على اتقاء بعض ويلاتهم بعدما اختبروا طويلًا أنواع القذائف ‏وجِهاتِ إطلاقها؟ ذلك أننا كنا فيما مضى نُميِّزُ الراجمة ‏السورية عن الطائرة الصهيونية، واللغمَ المتفجر عن صاروخ ‏مقاوم تاه عن هدفه فحط بين البيوت. وكنا نعرف متى يندلع ‏الاشتباك بين أبناء (الصف الواحد) في الأزقة وخلف الشبابيك، ‏وكيف أنه أخطر بكثير من اشتباكات الصفوف المتعادية. ‏ورغم ما مر بنا على طول الزمان وعرضه، كنا نتمسك بالأمل ‏ونحوي بعضًا من بحبوحة، أما الآن فنحنعاجزون كليًّا عن ‏إحصاء وتشخيص المعضلات المتناسلة، المستفحلة كالأورام ‏الخبيثة في جسد هذه الدولة المظلومة التي لم تحظ بالعناية ‏الواجبة، بل تُرِكَتْ على مفارق الأوبئة ومهب الجراثيم، ‏تستدرج إلى وَهْنِها الاشتراكات والالتهابات والأمراض ‏المستعصية.‏

إن لبنان يحار في أولويات العلاج وفك الاشتباك بين ما ‏يتعرض له الجنوب من تدمير واغتيال، وتهديد بحرب شاملة، ‏وما يعانيه من شلل اقتصادي، ويكابده من آثار خروجه عن ‏مظلة الأمان العربية، إضافة إلى التفلت الأمني والاغتيالات، ‏وشبكات استغلال القاصرين دون أن ننسى مسألة التدفق ‏السوري، فهذا كلُّهيحدثُ في إطار من التهتك الشرعي والتسيب ‏غير المسبق في المؤسسات وصدأ التروس في آلة الحكم، ‏واعتماد سياسة الفراغ والتفريغ كمنهج صارم، من قمة رئاسة ‏الجمهورية نزولاً إلى بقية المرافق الاقتصادية والأمنية ‏والقضائية، في حين تُصرِّفُ فيه أمورَ الدولة، حكومةٌ مشلولةُ ‏الثُّلث، مُقيَّدةُ الثلثين، قعيدةُ الأثلاث على مقاعد رجراجة عند ‏شفا جُرُفٍ هار.‏

من ينظرْ عن بعد إلى هذه اللوحة يصِبْهُ الاكتئاب؛ أما ‏الذي يتلمس تراكيب ألوانها، وما أُلْصِقُ عليها من أشكال شاذة، ‏فيحزن على أصل تلك الصورة التي رسمتها ريشةُ الجغرافية ‏الطبيعية بألوان أصلية غير مهجنة، وقيَّضَت لها في زمن ما أن ‏تكون مورد العطاش ونزهة الأنظار ودور الكتب والصحافة ‏والعلم والثقافة والاستشفاء.‏

كان الوطن الصغير ذا أثر مشع في الداخل والخارج ‏يفوق حجمه السكاني والاقتصادي، وهذا جعله مسيل لعاب ‏ومحط أطماع، لكنَّ من تولوا إدارة دولة الاستقلال، فاتهم ‏تحصينها بالمناعة السياسية بوجه غدر العناصر وتسرب ‏السموم، وقلق الجيولوجيا.‏

إن أسوأ ما يقاسيه المريض وأهله هو كثرة ‏‏”الكونسولتات” الطبية التي تدخل إلى غرفته غير المعقمة، ‏خالية الوفاض من أي دواء، لتخرج بعدها خالية التشخيص ‏والتقدير، وهذا ما يحدث معنا بين لجنة خماسية ومبادرة ‏فرنسية وترسيم حدود أمريكي، وكلنا نتظر (غودو) المسمَّى ‏‏(أموس هوكستين) باعتبار أن العلاج الناجع لن يأتي إلا من ‏أميركا من خلال طبيبها البارع الذي تلقى اختصاصه في جيش ‏الدفاع الإسرائيلي.ونحن الآن على جدول أعمال مؤتمر ‏‏(بروكسيل)، وكذلك كانت للبنان كلمة في مؤتمر القمة العربي ‏في المنامة، لم تتعدَّ الدقائق الثلاث، فياويح ما نحن عليه، ويا ‏لمأزق رئيس الوزراء المطلوب منه أن يعرض كوارث نصف ‏قرن من الحروب والعذابات والانهيارات، في مئة وعشرين ‏ثانية، إن تخطاها لالتقاط أنفاسه، بادره رئيس الجلسة بكتم ‏الكلمة والأنفاس.ولو كان لي ما أنصح به الرئيس ميقاتي سوى ‏الإيجاز الذي يغني عن التفاصيل، لسألته أن يقول هذه العبارة ‏المضغوطة المضبوطة الصارمة: أيها الأشقاء، هذا لحمكم ‏يتشرد من أرضه وبيوته، هؤلاءأطفالكم يغادرون مدارسهم إلى ‏الجهل والأمية ويتلقون الكوليرا والجدري، وينامون في خيام ‏عارية كخيبتنا العارية، ويعيشون على فتات من موائد العالم ‏الغني، ويشاركون أهل لبنان غذاءَهم القليل، وهواءَهم غير ‏العليل، المشحون بالأحماض السامة،ومياهم الملوثة التي ‏تتشارك مع الصرف الصحي في المجرى والمصب. فإن ‏فاضت عن هذه الأسطر برهة وقت إضافية لسألتُ الرئيس ‏ميقاتي أن يملأها بالتحذيرمن أنَّ عدد المليوني لاجىء في ‏لبنان، قد ينفجر إلى ملايين أخرى، لبنانيين وسوريين وعربًا، ‏حتى لايبقى أمان لخطوط الخرائط ولا لحراس الحدود من ‏طوفان لا يُدرك مداه ولا يُقرَأُأقصاه.‏

كان علينا منذ البدء أن نتعامل مع اللجوء السوري ‏بحصافة وأناة، بعيدتين عن العواطف وعن الانخراط في القتال ‏السوري، وممكنتين جدًّا إذ اعتمدنا وسائل ملموسة ومساعدات ‏عربية وتفاهمات دولية. لكنَّ السجال السياسي طغى كقشور ‏الزبد، فتركنا الأعماق للتيارات المندسة ما بين الأمواج، ‏وضاعت الفرصة تلو الفرصة، حتى وصلنا إلى ما نحن فيه ‏من أزمة، توافق مجلس النواب على خطورتها، رغم أن أحدًا ‏لم يغادر موقعه القديم، إذ راح كل فريق يضع مسؤولية الوجود ‏السوري على الآخر، وكلهم محقون في هذا، لأن أعداء النظام ‏السوري لم يقصروا، وكذلك كتائب حزب الله، أما الحلفضاع ‏بين المطالبة بوقف (الحرب الكونية على سوريا) وتكليف ‏البلديات بالضبط والربط بمؤازرة الأمن، وكلا الحلين لا يَنِمّان ‏عن إرادة صادقة ولا عن وعي وطني. الإيجابية الوحيدة من ‏جلسة مجلس النواب هي الاتفاق على أن الوجود السوري ‏أصبح معضلة لبنانية مشتركة، بخلاف ما كان يقال عنهإنه ‏يستهدف المسيحيين.وعليه لا مندوحةَ من أن يلتئم عقد مجلس ‏الوزارء (المنتهية صلاحيته) بكامل أعضائه، وأن يتصرف ‏كحكومة حرب، فيكلف لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة ‏‏(على غرار ما فعل الرئيس سلام) تكون مهمتها أولًا تأليف ‏فرق لتكوين قاعدة بيانات وطنية، تحدد أعداد السوريينوأماكن ‏انتشارهم وتصنيفهم بين نظامي ولاجىء وداخلٍ خِلسةً، ثم ‏القيام بأوسع حملة دولية عربية، لإعادة تجميع الموجات ‏الأخيرة في أماكن إيواء قريبة من الحدود، تكون على درجة ‏عالية من التقيد بالشروط الإنسانية، ليجري بعد ذلك العمل على ‏ابتكار حلول للمسجلين في وكالة اللاجئين، بمختلف الوسائل ‏السياسية والدبلوماسية، بما فيها التفاهم مع الحكومة السورية، ‏بشرط وحيد أن تكون أعمال هذه اللجنة مغطاة بالكامل ومؤيدة ‏تأييدًا مطلقًا من الحكومة ومجلس النواب والأحزاب كلها. إنه ‏لمن العار فعلاً، أن تكون حدودنا الجنوبية منتهكة على مدار ‏الساعة من اعتداءات العدو الإسرائيلي فيما الحدود مع سوريا ‏تميع لدرجة الامّحاء، و”أهل بيزنطية” (على منابرهم) ‏يزعمون البلاغة والحصافة ويتشدقون باحتكار الوطنية ‏والحلول. وأنا في هذا الكلام لا أَنْفي عن الأطراف المتصارعة ‏خبرتها الطويلة ولا ذكاءها السياسي، بل الحذر والقدرةَ على ‏استشعار الخطر، لأنها تُغَلِّبُ الثانوي على الأصلي، وتنظر إلى ‏الخارج على حساب الداخل. ‏

إن مصالح الدول توشك بنا، والحكومة الإسرائيلية لم تزل ‏على اندفاعها المجنون الذي قد يؤدي إلى خلط حسابات كثيرة. ‏وإذا كان ثمة من يضع خريطتنا الأرضية والبشرية قيد ‏الدرس، فإن الجدارة الوطنية وحدها كفيلة بصيانة بلدنا، وهي ‏تتطلب أعلى درجات الوعي والشجاعة والقدرة على ترويض ‏الغرائز، بالذهاب إلى قواسم مشتركة متاحة، تبدأ بانتخاب ‏رئيس يتولى مهمة المصالحة الوطنية الكبرى ويعالج الدولة ‏من الحمَّى المزمنة، ويعيد الوضع اللبناني السوري إلى حالة ‏صحية، ويرصُّ الصف اللبناني بوجه العدو، بأقصى درجات ‏التضامن والواقعية .‏

إن المفارقة القائمة دائمًا فينا، هي أن السواد الأعظم من ‏المواطنين متوافق على الحلول، ولكن هذا التقارب القاعدي لا ‏ينعكس حتى الآن على القيادات، وربما يعود ذلك إلى أن ‏القواعد تفكر وفقًا لمصالحها المشتركة البسيطة المنزهة، أما ‏القيادات فلا تزال على تورطها وسوء التدبير والتقدير.‏

تبقى ملاحظتان، الأولى هي أن التوجس الدولي، لا سيما ‏الأوروبي، من اتساع موجات الهجرة، لا يعالج بالمساعدات ‏المُسَكِّنَة، بل برسم استراتيجية تقرها الأمم المتحدة لمنع عمليات ‏التهجير والتطهير الإتني والطائفي، وإلا فإن ضيف المَهْجَرِ ‏الأول سيتحول انتشارًا خطيرًا في مستقبل الأيام. أما الملاحظة ‏الثانية فهي أن حكام إسرائيل قد أحرزوا نجاحًا تامًّا بأن زرعوا ‏في أجيال الشتات والإقامة تشبثًا بهويتهم وأرضهم،لا تنفع معه ‏بروتوكولات حكماء صهيون، ولا الجدار الدولي الذي احتمت ‏خلفه الدولة العبرية؛ فالنسل الفلسطيني تمرس بالآفات حتى ‏تركها (تقول أماتَ الموت أم ذُعِرَ الذعرُ) على ما قاله ‏المتنبي، وهو تخطى جيل النكبة خبرة وصلابة وحنكة، بل هو ‏قادر على فرض الوحدة الفلسطينية على منظماته وتنوعاته، ‏وردم الانشقاق المجافي للواقعية والطبيعة.‏

أعود إلى لبنان فأختم بما قاله الدكتور غسان سلامة في ‏تقديمه لكتاب النقيب رمزي جريج (نثر في الهواء):”الدستور ‏‏”شكل للحياة العامة لا يقل أهمية عن مضمونها، وهو ‏‏”البوصلة التي يقتضي السير على هداها، والاستخفاف ببنوده ‏‏”يشي بميل مضمر للخروج عن العقد المجتمعي”.‏