ان ما يواجهه لبنان اليوم من انسداد افق، وتعذّر توفر حلول مناسبة للمعاناة الشاملة والازمات المتفاقمة، والفشل المتمادي تقهقراً، يتحمل المسؤولية عنه جميع الذين يتولون الحكم على كافة المستويات والمجلس النيابي الفاشل في التشريع والمحاسبة ، كما في انتخاب رئيس للجمهورية رغم استمرار الفراغ في سدة الرئاسة لأكثر من سبعة اشهر حتى اليوم. ان المطلوب من الجميع التخلي فوراً عما يمارسونه من مناكفات وضغوطات ومكابرات واستقواء على بعضهم البعض، لان كل ذلك لن يؤدي الى اخراج لبنان من ازماته بل سيزيد من معاناته، وقد يؤدي الى زوال الكيان وانحلال الوطن.

لابدّ لنا من ان نكرر على مسامع المسؤولين عما وصل اليه لبنان اليوم ، اننا نتمسك بما اعلنه كمال جنبلاط في خطاب له ألقاه في مهرجان نظمه الحزب التقدمي الاشتراكي في بعلبك بتاريخ 26/3/1954، وندعوهم الى التبصر بمحتواه:

“نريد لبنان وطناً يتعانق في قلب كل لبناني له صليب وهلال. نحن نؤمن بلبنان وبشعب لبنان وباستقلال لبنان سيداً حراً، ودولة موحدة منصهرة الاجزاء والفئات والعناصر، لا تمييز فيها ولا تفريق بين مواطن واخر. ونقول للجميع بصراحة: لا تفقدوا البوصلة والبصيرة، فالطائفية هي التي تفرق فيما الدين في جوهره وحقيقته يوحّد بين البشر ، والناس كمن ينظر الى الشمس. تختلف العيون الناظرة اليها ، كما تختلف الطرق التي ينظر بها اليها، ولكن الشمس واحدة ، وحاشى الله ان يجعل الدين سبباً للاختلاف بين الناس. المتاجرون بالدين هم من جعلوا الدين سياسة طائفية ، ووزعوا الناس شيعاً ومذاهب يتنكرون لبعضهم البعض. فحبذا يوم يصبح لبنان حقاً وطناً للجميع ويخلص له الجميع .”

سبعون عاماً مرت على هذه الرؤية ، وبدلا من ان يعمل اللبنانيون على تحقيق امنية كمال جنبلاط : لبنان حقاً وطناً حاضناً لجميع ابنائه ، ويخلص له الجميع ، نرى ان الاوضاع تتراجع ، والانهيارات تتوالى ، والانقسامات والمناكفات والتصادمات والتهديدات تتصاعد حدتها. ونشهد محاولات متكررة للفرض من جهة تقابلها مواقف الرفض من الجهة الاخرى مصحوبة بخطابات ومواقف الاثارة ، واستعراضات القوة والاستقواء والاستعلاء والارتباط المحوري الخارجي الاقليمي او الدولي التي قد تخدم آنياً هذا الطرف او ذاك من المتصارعين على الساحة اللبنانية حاملي سيف التعطيل والعزل والالغاء، ولكنها حتماً تقضي على الوطن وتلغي الكيان.

الى هؤلاء جميعاً نقول من جديد مع المعلم كمال جنبلاط :

“يجب قبل اي شيء آخر ، ان يكون لنا ارض ووطن ، قبل ان نختلف حول تطبيق اي نظام على هذه الارض وهذا الوطن. فالوحدة الوطنية التي نرفع شعارها لا تتحقق بالتكاذب المشترك ، ولا بالتعصب المتقابل ولا في التكتل الطائفي السياسي لكل فئة من المواطنين في مواجهة الفئات الاخرى ، والاستقواء عليها قوة وعدداً. ولا يمكن للقبول القسري المذعن المتمثل بتبويس اللحى المشترك في ظل نظام الطائفية السياسية ان نسميه وحدة وطنية . ولعل احدى الوسائل التي اصبحت مفضوحة اليوم، تتمثل عملياً بمحاولة كل من يريد الاستقواء طائفياً افتعال مشكلة ، او استغلال حادثاً ما ، او فبركة رواية او خبراً مثيراً للعصبية الطائفية ، ليقول لابناء طائفته: “يا غيرة الدين … والدين من كل ذلك براء”

(المرجع: من مقال لكمال جنبلاط نشرته جريدة الانباء بتاريخ 13/4/1963)

الى ارباب الحكم والسياسة في لبنان ، نكرر مرة جديدة السؤال : الم تدركوا بعد ان كل المحاولات التي قمتم بها كان مصيرها الفشل وتفاقم الاوضاع سوءاً؟ الم تقتنعوا بعد ان العنتريات والاستعلاء والاستقواء التي تمارس قبل اية فئة لبنانية مهما علا شأنها وقوتها وعددها لن تتمكن من فرض ما تريده على سائر الفئات من مكونات هذا الوطن وسوف تتصدى لها هذه الفئات بالرفض وعدم الرضوخ، وهذا التعنّت محكوم بالفشل ، والاستمرار في المكابرة لن يؤدي الا الى خراب البلد وانهيار الكيان على رؤوس اللبنانيين جميعاً، ولن تنجو منه اية جماعة .

البديل الذي لابد من سلوكه للخروج من المأزق المسدود الافق هو تغيير الخطاب والاسلوب واوهام الغلبة ، والتلاقي والتحاور ضمن الاحترام المتبادل للتوصل الى تسوية حقيقية صادقة لان لبنان هو بلد التسويات القائمة على العقلانية وقبول الاخر . يكفي لبنان ما اصابه من الفرص الضائعة للخروج من معاناته.