كلمة الصغار الاطفال لها رنّة حلاوة في اذن القلب وخيال الوجدان ، ذلك لان معظمنا له ولد او اكثر، هم بالنسبة اليه هذا الصدى العميق المتجسد لألطف آماله ولأطهر ديباجة حبه .
وكم كنا نود في لبنان ان يتركّز اهتمامنا بالطفل والعناية بتربيته على النقاط الاساسية التي تؤلف جوهر ما يتجلّى عليه الطفل من نقاوة وعفوية صادقة ورؤى غير متعلقة بالوجود والوانه ، وندرك ان تربية الانسان كل لا يتجزأ : عقله، عواطفه، نزعاته، حواسه، جسده، وان نعطي حصة للتهذيب والتوجيه الاجتماعي والوطني ، اي ان نربي الولد الانسان تربية حضارية منسجمة كاملة .
انني كرجل سياسي، لابد ان اغتبط بفكرة قيام المعاهد العلمانية لانها الوحيدة ربما ، التي ستمكّن اللبنانيين من ان يكون لهم تفكير واحد، واهداف في الحياة المشتركة واحدة وشعور عام مماثل… وقد تمكنهم هذه المعاهد من النقاش الحر، ومن الفصل في نفوسهم بين الدين والدولة ، اي بين ما لقيصر وبين ما الله.
ولعل معظم جهدنا اليوم يجب ان يركّز على هؤلاء الصغار… فان طالبنا بحق كل مواطن في العلم ، في السكن، في العيش الفاضل ، في الضمانات الاجتماعية ، في العمل ، في التقدم، في تبني روح النضال ، في تفجّر معادن القيادة المخلصة المسؤولة للجيل الجديد ، فاننا نفكر بهم على الدوام ، فالكبار سيمرون كما يمر السحاب ولكن غرس بذور الافكار وطمر حبوب النضال لأجل القوة المعنوية ، لأجل الفضيلة، لأجل الحرية ، لأجل الوطن ، لأجل الحياة كما يجب ان نحيا الحياة . كل هذه البذور التي استبطنت العقول والقلوب في لبناننا الحبيب تنتظر اليوم في عزلة التراب ، في صمت الخفا، وفي آلام الظلمة ونضال المجاهدة، ان تتحطم حولها القشرة ، وان تخرج النبتة الخضراء من جوفها الى النور، لكي تكللها فيما بعد السنابل الذهبية . ونحن ننتظر في وله الخاشعين ان يأتي عمال للحقل ليحصدوا هذا الحقل… سنابله عديدة ويعوزنا عمال كثيرون.
يعوزنا قادة… يعوزنا مواطنون صالحون … يعوزنا رجال يؤمنون بقيمة الحق وبقوة الحق وغلبته.
وجلّ ما يمكننا طلبه من الجيل الجديد : كافحوا وناضلوا واعلموا جميعاً ان عليكم واجباً لا يمكنكم التهرب منه:
1- ان تهيئوا انفسكم لدور القيادة في اية رتبية تكونون.
2- ان تعدوا انفسكم للنضال كمواطنين يريدون ان يحولوا هذا الاتحاد الفدرالي المعيب لطوائف سياسية ذات طابع قبلي الى وطن حقيقي نستطيع ان نحبه وان نستظله. وان يحولوا هذه الدولة الى مؤسسة علمانية .
(المرجع: مقال لكمال جنبلاط بعنوان حاجتنا الى قادة نشرته جريدة الانباء في 9/7/1960، ورد في الصفحة 25 من كتابه “تمنياتي لانسان الغد”)