قد يكون العمل الفدائي لا يزال يحتاج الى تطوير وتشذيب وتنظيم ، وقد يعتور بعض الفئات من نقائض ملموسة تتطلب التدخل للحد منها واصلاح اثارها على ان العمل الفدائي ظاهرة لا يمكن التقليل من اهميتها بالنسبة لكفاح الشعب الفلسطيني ، وبالنسبة للعرب على الاقل، ضمن المجموعة الشرقية التي تتضمنهم وتحتضنهم من السودان والجمهورية العربية حتى العراق .

وبالنسبة للفلسطيني الذي حجزته السلطات العربية منذ العام 1948 حتى يومنا هذا ،ضمن شبه معتقلات، يوزع عليه فيها ما يحلو للامم المتحدة من غذاء قليل نسبياً ، ويمنع عنه معظم الاحيان ، حق العمل / وتقيد حريته في التنقل والتجول ، ويتعرض لشتى اساليب الحرمان المعنوي والمادي وللمعاملة السيئة ، ويحظر عليه المشاركة السياسية والعملية في تحرير بلاده. بالنسبة لهذا الفلسطيني المضطهد واقعاً، والذي اخذ يشعر بشتى المركبات النفسية وبالكبت الملازم لها، فان العمل الفدائي مدخل له الى حياة الرجوع والحقيقة والتحرر من ظروف الحياة التي سئمها ، ومن ذهنية التخاذل والاتكالية والانعزال عن المعركة العربية السياسية التي ابعد عنها اعتباطاً وقسراً. فحلقة الفداء مجال للفلسطيني لاستعادة حريته السليبة، ولتحقيق معاني ذاتيته القومية والانسانية ، وللخروج من معتقل سجن الفلس الذي وضعته فيه النكبة وأوصد ابوابه ونوافذه في وجهه حكام وسياسيو العرب.

واشد ايلاماً ومهانة ، في ما كان يشعر به العربي الفلسطيني . انهم كانوا يمنعونه عن الكلام ، وعن العمل لأجل قضيته ، ثم يعالجون هم هذه القضية ويدافعون عنها ويتحدثون باسمه ، ويكادون يأخذون مكانه ، طبعاً في ما عدا الدخول مثله الى معسكر الاعتقال.

اما بالنسبة للعربي بشكل عام ، فان العمل الفدائي يسهم بشكل رئيسي في تبديل الذهنية العربية العامة المسيطرة والتي تعشش فيها مظاهر التخلف المعنوي التقليدي والاتكالية والانتهازية وثورية الشعارات والكلام .

من هذه الاعتبارات انما تعلقنا بالعمل الفدائي وبظاهرته التي برهنت ان الانسان العربي يستطيع ايضاً ان يتغلب على المحنة ، ايا كانت هذه المحنة . وهذا شعور يدغدغ فينا بواكير الامال ، ويمحو شيئاً كثيرا من الصدأ الذي علق بنا ، قبل وبعد المحنة ، ويعيد الثقة الى نفوسنا .

(المرجع: مقال لكمال جنبلاط نشرته جريدة المحرر بتاريخ 7/11/1968 ورد في الصفحة 114 من كتابه “فلسطين قضية شعب وتاريخ وطن”)