مفاوضات أو لا مفاوضات، ليست تلك هي المسألة. ولا شيء يتغير في الأولويات. المسألة هي ما يتحكم بالتفاوض واللاتفاوض تحت ضغط الظروف ودقة الحسابات. والأولويات لا تزال كما كانت قبل صواريخ “حزب الله” وردود إسرائيل التصعيدية في تهجير مليون إنسان وتوسيع القصف والاجتياح البري، وكلها جزء من حرب إيران ردًا على الحرب الأميركية – الإسرائيلية المشتركة. فما تطلبه أميركا وإسرائيل وأوروبا والدول العربية كشرط لبدء أي تفاوض لبناني – إسرائيلي برعاية دولية هو سحب سلاح “الحزب” والذي قرره مجلس الوزراء قبل الحرب ومبادرة التفاوض. وما لم تستطع الدولة الذهاب فيه إلى النهاية لأسباب وتقديرات مختلف عليها قبل الحرب، صار فعله أصعب خلال الحرب.
ذلك أن “حزب الله” لم ينتقل، حسب التحليلات الشائعة، من “حرب إسناد” لغزة إلى حرب الإسناد لإيران بمقدار ما انتقل من دعم معركة “حماس” إلى الانخراط في حربه هو. إسناد غزة كان من باب الواجب غلطة استراتيجية دفع هو وبيئته ولبنان ثمنها الباهظ. والمشاركة في حرب إيران هي بالنسبة إليه حتمية استراتيجية دفاعًا عن نفسه والجمهورية الإسلامية في “حرب وجود”. ومن الوهم فك الارتباط بين المعارك في إيران ولبنان لأن المصير واحد والعدو واحد. ولن يتبدل الأمر، ولو توقفت حرب طهران بصفقة أميركية – إيرانية، واستمرت إسرائيل في مطاردة “حزب الله” وسلاحه وأكمل هو حربه في انتظار أن يستعيد نظام الملالي قوته بعد الصفقة المفترضة.
وما كشفته الحرب ليس من أسرار الآلهة بالنسبة إلى الذين تابعوا “حزب الله” من البداية بالقراءة الموضوعية، وإن أدت الوقائع في البلد والظروف والحسابات إلى بعض التغيير في بياناته وخطابه. ففي لقاء مع مسؤول مهم في “الحزب” قبل سنوات قال الرجل لمحادثيه بصراحة: انتم تقولون إننا مرتبطون بإيران أو تابعون لها أو حتى عملاء ووكلاء، وهذا ليس صحيحًا. الصحيح هو “نحن إيران”. حتى ولادة “الحزب” في بعلبك على يد السفير الإيراني في دمشق الشيخ أختري بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، فإن التركيز على مقاومة الاحتلال في “مانيفستو” الإعلان الرسمي للولادة عام 1985 تقدم عليه الولاء للولي الفقيه “الحائز الشرائط” الشرعية، وتحديد الهدف في لبنان، وهو إقامة “الجمهورية الإسلامية”. فمقاومة الاحتلال مهمة على الطريق إلى الهدف الأكبر. وليس أمرًا قليل الدلالات أن يبدأ “الحزب” قصف إسرائيل بعد عام ونصف من اللارد على اعتداءاتها اليومية خشية “أن تتوحش أكثر” حسب الشيخ نعيم قاسم، وهو يعرف أن العدو الصهيوني يمهد الطريق لما سماه نتنياهو “إكمال المهمة” في الشمال. فهو يقاتل على أرض هجّرت إسرائيل بيئته منها، خلافًا لنظرية ماوتسي تونغ حول “السمكة والماء” وبالتالي حاجة المقاومة إلى العمل محوطة ببيئتها كما يتحرك السمك في الماء ولا يعيش خارجه. وهو يتوعد اللبنانيين بحرب أهلية لا طرف آخر فيها، إذا حاولت السلطة تنفيذ قرار سحب السلاح، بحيث يضعهم تحت ضغط حربين: واحدة مع إسرائيل، وأخرى حرب أهلية باردة لكنها مثل سيف مصلت على أكثرية اللبنانيين. حربان هما جبهة مفتوحة في حرب واحدة هي حرب إيران.
والواضح في الظروف الداخلية والخارجية أن المفاوضات لا توقف الحرب، لكنها قد تقود الى حرب أخرى في الداخل. وما تؤكده الوقائع هو قول الدكتور هنري كيسينجر “الدبلوماسية لا تعمل في فراغ، ولا تُصنع ببلاغة المشاركين بل بتجميع توازن بين المخاطر والحوافز”.