الظاهرة الترمبية التي اجتاحت الولايات المتحدة في مطلع عام 2025 انطلقت من شعارات رفعها دونالد ترمب، ومن أبرزها: الأنا، أنا الأقوى، أنا الأكفأ، أنا الأقدر، أنا المنقذ الذي اختارتني العناية الإلهية لإعادة الولايات المتحدة لتكون الأقوى من جديد، ولإنقاذ العالم من أزماته وحروبه وتحقيق السلام. والويل لكل من يحاول معارضتي، لأن نار الجحيم ستنصبّ عليه.

 

ظهر ترمب على قناعة تامة بأنه لا يُهزم لأنه لا يخطئ، وأنه بالتالي فوق مستوى المحاسبة: يُحاسِب ولا يُحاسَب. ومع وصوله إلى البيت الأبيض، كثر الكلام عن السلام ومشاريع إنهاء الحروب الناشئة في مختلف مناطق العالم على يد “بطل السلام العالمي” دونالد ترمب.

 

لكن الأحداث توالت، وجاءت الوقائع مغايرة تمامًا: فلا الحروب توقفت، ولا السلام ساد، ولا جائزة نوبل للسلام وصلت إليه. فالحرب الروسية على أوكرانيا ما زالت مستعصية على الحل، رغم محاولات ترمب المتناقضة، مع استمرار أخطار تحوّلها إلى حرب أوروبية–روسية شاملة تلوح في الأفق.

 

أما في الشرق الأوسط، فلا تزال الحروب على مختلف الجبهات قائمة، إذ تواصل حكومة نتنياهو، الصديق الأقرب لترمب، شنّ حروب تدمير وإبادة واغتيال وتشريد وتجويع، من غزة إلى الضفة الغربية، إلى لبنان وسوريا واليمن، وصولًا إلى إيران، في خروج فاضح على خطة ترمب التي حملت شعار إنهاء الحروب وتحقيق السلام بين شعوب المنطقة، والموقّعة في مؤتمر شرم الشيخ.

 

أكثر ترمب من الوعود العرقوبية للزعماء العرب ولعدد من قادة العالم، حلفاء ومنافسين، فيما واصل نهجه القائم على الضغط والتهديد لإجبار الجميع على الرضوخ، وفرض الرسوم الجمركية، والتهويل لعقد صفقات تجارية تخدم مصالحه الشخصية أو المصالح الأمريكية.

 

بل أكثر من ذلك، أفصح عن طموحاته الإمبريالية في السيطرة والاحتلال والضم، مهددًا كندا والمكسيك وفنزويلا وكولومبيا والدنمارك، إلى جانب مغازلة زعماء الخليج العربي لإبرام اتفاقيات تعاون وتبادل تجاري واستثمار تخدم مصالحه وتطلعاته، مع وعود غامضة بالحماية. كما سعى إلى استرضاء بوتين وشي جين بينغ لتقاسم النفوذ العالمي معهما، على حساب حلفاء بلاده التقليديين.

 

هذه الممارسات التي واصلتها إدارة ترمب طيلة هذه الفترة من العام، تحوّلت في الثالث من كانون الأول 2025 إلى خطة استراتيجية رسمية للولايات المتحدة لكيفية تعاطي هذه الإدارة مع العالم، تحت شعار:

اضغط، هدّد، اضرب، واعقد الصفقات.

 

وقد قامت هذه الاستراتيجية على الأسس التالية:

  1. أمريكا أولًا: والمقصود احتكار الولايات المتحدة السيطرة والنفوذ العالميين، تجديدًا لمبدأ مونرو قبل قرنين من الزمن.
  2. الولايات المتحدة هي الأعظم من جديد، والأحق بإدارة شؤون العالم عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا، وبالطبع سياسيًا.
  3. السياسة الخارجيةيجب أن تحمي المصالح الأمريكية، وتفرض السلام عبر التهديد بالقوة، مع السعي لمواجهة الصين، المنافس الأبرز في شرق آسيا والمحيطين الهادئ والهندي وأفريقيا.
  4. التخلي عن أوروبا الحليفة، ودعوة دولها لتحمّل أعباء الدفاع عن نفسها.
  5. تأكيد التحالف الاستراتيجي مع دول الخليج العربيةلدوافع استثمارية وتمويلية واقتصادية، مقابل وعود بالحماية.
  6. ضمان أمن إسرائيل في مطلق الأحوال والظروف، وحمايتها من أي محاسبة دولية أو داخلية، والضغط على الدول العربية والإسلامية لتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية معها.

 

على ضوء هذه الاستراتيجية الترمبية الجديدة، تطرح أسئلة مصيرية:

ماذا سيفعل القادة العرب حيال مشروع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة؟

كيف سيواجهون الأخطار الإسرائيلية المدمّرة التي تطال عددًا من الدول العربية؟

وماذا سيفعل قادة العالم في مواجهة السياسات المفروضة على دولهم ومصالحها؟

 

وهل لا يزال هناك مكان ودور للنظام العالمي؟

أم أن كل شيء أصبح رهينة الظاهرة الترمبية؟

أم أن العالم مقبل على تسونامي ترمبي شامل؟