مع كل انتخابات بلدية، يتكرّر المشهد نفسه: مرشّحون يتسابقون إلى إعلان “البراءة” من السياسة، وتُطلَق التصريحات التي يفوح منها نَفَس التهرّب من أي انتماء أو مشروع سياسي، تحت عنوان الإنماء، وكأن الإنماء ممكن أو منفصل عن السياسة.

ويُضاف إلى هذا الخطاب الملتبس مقولة رائجة أخرى: “إنها انتخابات عائلية”. وكأنّ هذه العبارة تُعفي الجميع من النقاش السياسي. أولاً، هذا الواقع ـ وإن كان حقيقياً في كثير من البلدات – ليس سبباً للافتخار، بل علامة على البطء في التحول المجتمعي، وظلماً لآلاف المقترعين الذين يصوتون بالسياسة متحررين من القيد العائلي. وثانياً، من قال إن العامل العائلي ليس شكلاً من أشكال السياسة، وتطور المجتمعات يفرض أن يتجه هذا العامل إلى انحسار. هذه الظاهرة امتداد لخللٍ عميق في فهم الشأن العام، وتحد من فعالية المشاريع الإنمائية التي قد تعيقها الاعتبارات العائلية الضيقة.

فأيُّ إدارة بلدية هي في جوهرها عمل سياسي. اختيار الأولويات، توزيع الموارد، تنظيم الأملاك العامة، التخطيط العمراني… هذه كلها قرارات سياسية، لها بُعدان محلي وعام. ومن يدّعي أنّه قادر على القيام بها من دون مرجعية فكرية أو توجّه سياسي، فهو يخادع الناس أو يخدع نفسه.

والأدهى، أنّ هذه “اللوائح العائلية” لولا الأحزاب النافذة والمراجع السياسية لما أبصرت النور. خصوصاً أنها بعد الفوز، لا تتأخر في شدّ الرحال لزيارة رؤساء الأحزاب والنواب لتقديم الشكر… فكيف يمكن لانتخابات بلدية أن تكون خارج السياسة، بينما كل حراكها محكوم بالسياسيين؟

وحدها الأحزاب والقوى السياسية القادرة والمنظمة يمكن أن تؤسّس لحكم محلي فعّال ومُنظم ومستدام.

وما يُروَّج له اليوم في الانتخابات البلدية من قطيعة مع السياسة، هو تهديد مباشر لنضج التجربة الديمقراطية. صحيح أن الانتخابات النيابية والنقابية متحررة أكثر من “الولاء العائلي”، ولكن الخشية عند إقرار قانون اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة أن تطغى “العائلية” ثم “المناطقية” على هذه التجربة المرتقبة، فلا تأتي بالمأمول منها في الحكم المحلي الرشيد.

ومما لا شك فيه أن الأحزاب والتيارات السياسية تعتبر الانتخابات البلدية “كابوساً” لا بد منه، وتضطر بدورها إلى مراعاة العامل العائلي إن بالتحالفات أو حتى بالوقوف على الحياد في بعض البلدات والمدن، حتى لا ترتد الانقسامات العائلية بالضرر عليها في الانتخابات النيابية. الصورة ليست سوداوية بالكامل، فمن الواضح أن العامل الحزبي في كل الطوائف، يتقدم على حساب الزعامات التقليدية التي تستند بالأساس على العائلية، ومن أحد توصيفاتها “البيت السياسي”. وكم نسمع في قرانا أن هذه المجموعة في الانتخابات النيابية مع “بيت كذا”، كائناً من كان زعيم هذا “البيت”. ولا شك أن انحسار “البيوتات السياسية” في الانتخابات النيابية، سيحد ولو بقدر طفيف من “العائلية” في الانتخابات البلدية. فكلما اتجه الجيل الجديد إلى الملعب الحزبي الرحب، سيكون قادراً على التحرر تدريجياً من الاعتبارات الضيقة التي لا تقيم وزناً للمشاريع الإنمائية وتتكل على العصبية العائلية فقط. الأمور مرهونة بمسار تراكمي، من الاستحقاقات الانتخابية. وكلما استردت “الدولة” قرارها وسيادتها، وتتالت الاستحقاقات الانتخابية وفق مواعيدها الدستورية، تحرر المجتمع من العائلية والعشائرية باتجاه رحاب الديمقراطية التي لا تقوم إلا على الأحزاب. قد يقول قائل إن الأحزاب بدورها ليست مثالية، ولكن حتى في أعرق الديمقراطيات لا يوجد حزب مثالي، وبقدر ما يتحرر المجتمع من ضيق الأفق، سيتاح للأحزاب أن تطور آلياتها الداخلية. ومن يصوّب على الأحزاب يتناسى وربما عن عمد، أنها بالأساس من صلب هذه المجتمعات، وتالياً لها ما لها وعليها ما عليها. العملية متشابكة وتفاعلية والمسؤوليات لا تعفي أحداً.