جغرافياً، المنطقة العربية تمثل قلب منطقة الشرق الأوسط تحيط بها مناطق تسكنها شعوب غير عربية متنوعة الأعراق والثقافات . لكل منها طموحاتها وأطماعها التوسعية المتناقضة والمتنازعة والساعية للاستئثار بثروات وخيرات المنطقة العربية وحرمان الآخرين من الإفادة منها ولهذا شهدت هذه المنطقة على مر التاريخ موجات متتالية من غزوات المغامرين والمستكشفين والغزاة تهدد شعوبها وتغير بنيتها الثقافية والاجتماعية والحضرية باستمرار . ونتيجة لكل ذلك تحولت المنطقة العربية مسرحاً تتجمع فيه مكونات بشرية متعددة ومتنوعة لكل منها تراثها وحضارتها وتقاليدها ولغاتها وطموحاتها المتباينة والمتصادمة تتصارع وتتناحر وأحياناً تتقاتل وتشن حروب إبادة وتهجير على بعضها البعض . وهذا يتيح استدعاء الآخر والاستقواء به لنصرته على خصومه وقد يكون هذا الآخر من أقاصي العالم يستغل ذلك للتحكم بمصير المنطقة واستغلال ثرواتها وتحديد مستقبل ومصير شعوبها وكراماتها . فحتى الأديان السماوية الثلاثة التي ولدت في هذه المنطقة وجميعها في جوهرها تدعو لخدمة الإنسان والسلام والتلاقي والخلاص تحولت بدورها إلى الاستغلال السياسي وحولت المنطقة إلى ساحات صراع وحروب طائفية ومذهبية الغائية.
هذا باختصار ما سببته الجغرافية والتاريخ لمنطقة الشرق الأوسط وفي قلبها المنطقة العربية وما خلفته من تداعيات وانقسامات وعدم استقرار واقتتال لا تزال تعاني منه في الزمن الراهن .
فما تشهده المنطقة اليوم لا يختلف عما كانت تواجهه عبر تاريخها، فالأحداث تتوالى كما في السابق وكأن التاريخ يعيد نفسه . هل تذكرون غزو العراق في العام 2003 الذي شنته قوى عالمية وإقليمية وما نتج عنه من تداعيات على العراق ودول الجوار. هل تذكرون ما واجهته سوريا ولا زالت من تدخلات دوافعها طائفية مذهبية أو استثمارية توسعية تهدد حاضرها ومستقبل شعبها وكان آخرها ما تشهده منطقة الساحل السوري ومنطقة ريف دمشق .
ولبنان المتميز في موقعه وجغرافيته على مفترق طرق منطقة الشرق الأوسط بين المتنافسين والمتصارعين والمتحاربين والمغامرين فأصبح مسرحا دائما لمطامع متضاربة حول ميزاته الحضارية تعبث بأمنه تارة وتحاول السيطرة عليه مرات . ولهذا لم يرتح منذ أصبح دولة في ظل الانتداب الفرنسي ونزاعاته وحروبه الداخلية المتواصلة بعد أن أصبح دولة مستقلة . وهو إلى اليوم لا زال يعاني وينازع ويبحث عبثا عن وسيلة ناجعة تمكنه أن يصبح دولة تتحكم بمصير شعبها لا لعبة في أيدي المتدخلين بشؤونها من كل حدب وصوب.
أما فلسطين فمحنتها أعمق وأخطر تتعرض على الدوام لمحاولات الطمس والمحو من الخريطة والزوال نتيجة لتطورات ظهرت في أوروبا وتفاقمت بحق اليهود خلال الحرب العالمية الثانية وكانت لها انعكاساتها على فلسطين العربية التي شهدت موجات من اللاجئين اليهود الأوروبيين بتشجيع من سلطات الانتداب البريطاني الذي تعهد لليهود بمنحهم وطنا في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني الذي بات مهددا بحروب الإبادة والتهجير وسوء المصير.
إن إقامة إسرائيل الدينية العنصرية في قلب المنطقة العربية والدعم اللامحدود الذي تلقاه من الحكومات على الصعيد الدولي وخاصة من الإدارة الأمريكية جعل منها خطرا وجوديا ليس على فلسطين وحدها بل على كل المنطقة العربية. ومشروع الشرق الأوسط الجديد اي التطبيع مع إسرائيل والمفروض بالضغط الأمريكي يضع المنطقة في وضع قابل للإنفجار والاقتتال في أي وقت لكثرة المشاريع المتضاربة التي يخطط لها في دوائر القرار الدولية والإقليمية وترسم لها الخطط العسكرية الإبادية التدميرية.