إن التراث الفكري الذي استمد منه أفكاره ونظرياته وأرائه هو التراث الحضاري الأصلي والمتصل والمتواصل عبر الزمن وهو ما يمكن تسميته وفق تعبير بعض العلماء الخيط السري الرابط للتفكير الإنساني منذ بداية التكوين لو كانت لهذا التكوين بداية.
ولا شك هنا أننا نقصد الفلاسفة الحكماء في جميع العصور منذ مصر القديمة والصين والهند القديمة إلى اليونان مرورا ببعض حكماء الكنعانيين وسواهم ممن عمروا جزر وشواطئ البحر المتوسط ولو اندثرت بعض معالمهم كما اندثرت مثلا أصداء الشعب السلتي في أوروبا.
نعتبر هذا الإرث متواصلا متصلا لأنه انفتح على كوة من الحقيقة لا يمكن انكارها واغماض العين عنها لأن هذا الاختيار في حقل الحكمة لا يختلف بين شعب وشعب أو بين إنسان وإنسان من الذين حققوا كما يختلف أرباب الدين وأنبياء المعتقدات الروحية العادية فلا بد إذن لهذا الاختيار من أن يفهم كتراث غرف منه هيغل ثم انغلز وكارل ماركس ودي شاردان بدوره يوم كان في الصين يدرس ويتأمل مبادئ الطاوية ومفاهيمها وكذلك ماوتسي تونغ الذي لا يخفي على بصير ارتباط فكره بالمذاهب الحكمية الأولى وبجدلية الأقدميين وفي ظننا أن يحل كل متمحص دارس يعود دائما إلى الينبوع الجدلي الحكمي ليدرك من خلاله المذاهب التي انحدرت إلينا من خلال اليونان وبعض فلاسفة العرب أنفسهم وخصوصا بعض مفكري الصوفية الإسلامية العرفانية ومن خلال قراءاتنا لغوتية وشكسبير إيكار وجاك يومين مثلا في الغرب.
هذا هو التراث الفكري الذي نستقي منه ونعود إليه دائما وأبدا لأنه في النهاية معين لا ينضب بالسعادة أي هذا السلام الذي هو الدليل الحسي المباشر على الاطمئنان إلى الحق وعلى انعدام القلق ونرى في اطلاعاتنا العلمية كأن العلم الحديث يعود في الحقيقة في نظرياته واستكشافاته إلى هذه المجاري وهذه الأصول التي أكدها لنا الاختبار الأصيل.
( المرجع : من مقابلة صحفية وردت في الصفحة 294 من كتابه أسس بناء الدولة اللبنانية وتنظيم شؤونها)