جريدة النهار – 4/3/2025

مع التسارع الكبير في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وانتشارها الواسع في مختلف جوانب الحياة، بدأ عدد متزايد من الآباء بتعليم أطفالهم سبل التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل روبوتات الدردشة وبرامج إنشاء الصور والنصوص، بهدف إعدادهم للتعامل مع هذه التقنيات بوعي ومسؤولية في المستقبل.

تدرك الأسر اليوم أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد أداة تقنية عابرة، بل سيصبح عنصراً أساسياً في بيئة التعلم والعمل والحياة اليومية. لذلك، يرى بعض أولياء الأمور أن تأهيل الأطفال ينبغي ألا يقتصر على اكتساب مهارات تقليدية مثل البرمجة فحسب، بل يجب أن يمتد إلى تطوير فهم عميق لسبل استخدام الذكاء الاصطناعي بذكاء وإبداع، مع التركيز على مهارات التفكير النقدي والتواصل.

في الوقت نفسه، يواجه الآباء تساؤلات حيال تأثير هذا التعرض المبكر للذكاء الاصطناعي على نمو الأطفال العقلي والمعرفي. فبينما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز الإبداع وتنظيم الأفكار، هناك مخاوف متزايدة بشأن احتمال أن يؤدي الاعتماد عليه إلى إضعاف مهارات التفكير النقدي أو خلق نوع من “الكسل الفكري” إذا استخدم الأطفال هذه الأدوات كحلول جاهزة بدلًا من التفكير المستقل.

كذلك فإن الاستخدام غير الموجه لهذه التقنيات يمكن أن يعرّض الأطفال لمخاطر أخرى، مثل التعرض للمعلومات المضللة أو التفاعل مع “رفقاء الذكاء الاصطناعي” الذين قد يؤثرون على وعيهم العاطفي والاجتماعي، خصوصاً مع التقدم المتسارع في تطوير الشخصيات الافتراضية المتقدمة التي تحاكي التواصل البشري بشكل متقن.

وعلى رغم أن العديد من المنصات تحدد سناً أدنى لاستخدام أدواتها، إلا أن بعض الآباء يختارون تعريف أطفالهم عليها تحت إشراف مباشر، بهدف بناء علاقة صحية وواعية مع الذكاء الاصطناعي منذ الصغر. ويحرص هؤلاء على التأكيد أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً من التفكير البشري أو التفاعل الإنساني الحقيقي، بل هو مجرد أداة يمكن استخدامها لتعزيز الإبداع وتوسيع آفاق التعلم إذا تم استخدامها بشكل مدروس ومسؤول.

الهدف من هذا النهج ليس إعداد الأطفال لسوق العمل الذي يشهد طلباً متزايداً على مهارات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل أيضاً تعزيز قدرتهم على التعامل النقدي مع هذه التقنيات، وفهم حدودها وأخطارها، وتوظيفها لتعزيز التعلم والاستكشاف، بدلاً من استخدامها وسيلة سهلة للهروب من المهمات الفكرية أو الدراسية.

في المحصلة، يبدو أن مستقبل الأطفال في عصر الذكاء الاصطناعي لن يتوقف على مدى معرفتهم باستخدام هذه الأدوات فحسب، بل على مدى وعيهم النقدي لحدودها، وقدرتهم على دمجها في حياتهم بطريقة تحترم القيم الإنسانية، وتعزز مهاراتهم الفكرية والاجتماعية، بدلًا من أن تحل محلها.