ان التطور الذي تواجهه الحضارة العصرية في مرحلتها التكنولوجية المتقدمة حالياً، والمقبلة علينا من خلال تعميم الالة ، ان هذا التطور قد ابرز دور الانسان المثقف في التأثير المباشر على المجتمع وعلى الدولة وانظمتها المختلفة . فالعلم قد اتخذ مكان الصدارة والعلماء اصبحوا يحتلون اكثر فاكثر مركز القيادة والتوجيه الاجتماعيين والسياسيين .
ارستوقراطية الجيل الذي يبرز من خلال ربع القرن القادم لم يعد برجوازية المال او النفوذ ولا اية ارستوقراطية في المفهوم التقليدي للكلمة ، بل اصبحت ارستوقراطية الذين يمارسون على افضل وجه نظريات كبار المشترعين في حقل قوانين الطبيعة ، اذ يصبح اينشتاين وهايزنبرغ، وهذا الجيولوجي العبقري او ذاك الميكانيكي الشهير هم الذين يتحكمون من ضمن لجان عمل مشتركة تتعلق بمعرفة التطور العلمي وعلمه ، وقد لا يفهم احد سوى القليل من الناس ما يحدث مما يعلنه هؤلاء المتفوقون في العلم من حقائق. واخطر مشكلة تواجهها الديموقراطية اليوم هي انه لم يعد في الحقيقة باستطاعة الرأي العام ان يقرر شيئاً كثيراً في مستوى عمل الدولة الذي يسيطر عليه رجال العلم هؤلاء.
من كل هذا برز دور الطالب في تكوين شخصيته وفي بناء روح المسؤولية في نفسه بما يصدر عنه من تفكير واقوال واعمال . فالعلم اصبح اليوم السيد المطلق الصلاحية ، بعد ان توفرت له كل الامكانيات في سبيل تحقيق اعقد النظريات وابعدها عن المنطق العادي الساذج.
ونحن في لبنان بدأنا نلاحظ ان التطور يقفز حولنا وبيننا ، ومن يمضي وقت طويل الا ونتحسس بأروع ما في مسؤولية رجل العلم والمثقف بشكل عام من خطورة وابداع حضاري في آن واحد.
(المرجع: من مقال له نشرته جريدة الانباء في 16/1/1960)