تقديم المحاضرة المحامية الاستاذة غادة جنبلاط:
ونحن في حضرة المعلم الشهيد كمال جنبلاط نتهيب الموقف ، نعجز عن صياغة الكلمات التي تنحني أمام قامته المنتصبة كمسلات مصر القديمة ،الرامزة الى نور الشمس ،نور الحقيقة .
و عالم جنبلاط الحكيم الموحد هو عالم الزهد والتنسك ، عالم الانعتاق من قيود المادة والترفع عن الشيئية ،والسير في معراج النور الموصل الى الحقيقة– الله .
فالحقيقة بالنسبة اليه هي العلة والغاية ، وهي المعيار لكل شيء .هي روح الأشياء ونسغ الحياة ،وانسجام هذا الوجود وكليته فالانسان لا يستطيع ادراك الحقيقة الا اذا تجرد وانسلخ عن نفسه ،
لذلك اعتبر المعلم ان الصوفية هي طريق الخلاص الذي يحرره من كل ما يعيق اكتشافه لجوهره الانساني
هي إدراك الأنسان لوجوده كجزء لا يتجزأ من هذا الكون .وحين يدرك الصوفي هذه الحقيقة ، تنمحي الحدود وتغيب الأسماء ، ويصبح العابد والمعبود واحدا” لا يتجزأ .
كان المعلم يردد دوما” ويقول:
” الوجود كله سواقي الى البحر العظيم ، أو دروب ومسالك الى الحق حيث تنتهي الطريق . فتعود قطرة الماء الصغيرة الى البحر العظيم وتتحقق وحدة الوجود ” .
وتبرز صوفية جنبلاط حين يردد قول أحد الفلاسفة :
“أذا انت وهبت كل ما تملك وادخرت حياتك ، فكأنك لم تعط شيئا ،عليك ان تقدم كل ذاتك أو لا تعطي شيئا”.
وجنبلاط المتوقد وجدا الى المطلق ، كان يعتبر” ان الحركة الوحيدة هي حركة الروح ، واتجاهها واحد ، وهو صاعد من ادنى الى أعلى،اي من الانسانية الى الربوبية “.
وقد مارس المعلم الناسك صوفيته في حياته الخاصة ، فاقتصرت غرفته على فراش فوق حصيرة ،وبساط وتراريح ،واناء للبخور ، ، وأبريق وجرة فخار ،وشموع في كل مكان . واقتصر غذاؤه على
خيرات الطبيعة الأم .في غرفته كان يطهر نفسه من كل محسوس ، ويتلو صلواته في حضرة الطبيعة ،ويتوحد مع الوجود .
وهذا التوحد مع الوجود واثر الحكمة الهندية في مسار جنبلاط الفكري هما موضوع لقائنا اليوم الذي أضاء عليه الاستاذ محمد سعيد الطريحي في كتابه :
“الحكيم الموحد كمال جنبلاط في تجلياته الهندية”.
والكتاب هو عبارة عن توليفة فكرية بين ابحاث ومقالات تناولت سيرة المعلم وتأثره بالفلسفة الهندية .
فقد زاوج المعلم بين الصوفية التوحيدية والفلسفة الهندية التي كان يسترشد بها . وكان يعتبر
” ان الهندوسية هي نهج في الحياة،واتجاه عام في التفكير والأعتقاد ،وفي التصرف ، يجمع شتى أنواع المذاهب الجماعية والفردية ، كنهر ضخم واسع يؤلف في مياهه جميع الجداول والسواقي والأنهر التي تصب فيه “.
كان جنبلاط يزور الهند ليلتقي معلمه الروحي ، فينسلخ عن واقعنا الغارق في اوحال الأنانية ،والفردية والاستكبار،كي يشارك حكماء الهند طمأنينة الروح ، وصفاء الفكر.
هناك لا حزن ولا هموم، ولا غضب، بل سلام وسكينة ،ولطف وبساطة، وزهد وموسيقى تنقلك من عالم الواقع الى عالم المثال ، والمعلم هو المثالي الواقعي بامتياز .
واول الغيث مداخلة للأستاذ فؤاد ناصيف الذي انجذب الى روحانيات الهند فسار على خطى المعلم كمال جنبلاط .وهو القائل :
” ان المعلم كمال جنبلاط قد لعب دور ” الأوبا غورو ” في مسيرتي الروحانية الشخصية ،بالرغم من أنه لم يتسن لي التعرف اليه بسبب فارق العمر ” .
هو حائز على شهادة في الحقوق من الجامعة اليسوعية في بيروت عام ١٩٨٧، تدرج في مكتب الوزير فؤاد بطرس ، يمارس المحاماة في بيروت ولندن ، بعد تعرفه على الفلسفة الهندية قرر منذ العام ١٩٩٤ التعمق في دراستها و دراسة مسالكها الروحية ، زار الهند لفترات طويلة ،كان يلتقي خلالها بمعلمته الهندية ماتا امريتا ناندا ماي المعروفة ب آما وقد رافقها لدى حضورها لمؤتمرات روحية عالمية ،ويساهم حاليا” في ادارة مشاريعها الاجتماعية و في جامعات ومستشفيات امريتا التي ترعاها في الهند .
له مقالات عدة عن علاقة كمال جنبلاط بالهند ،
واليوم ، سيضيئ الأستاذ فؤاد ناصيف على ” أهمية الاختبارات الشخصية في المسالك الهندوسية كما مارسها كمال جنبلاط ”
تفضل أستاذ فؤاد الكلام لك .
أشكر الزميلة الأستاذة غاده على تقديمها لي وعلى محبتها،
وأشكر الدكتور ناصر زيدان على دعوته الكريمة لأكون من المتحدثين في هذه المناسبة، وهي صدور الكتاب القيّم للأستاذ محمد الطريحي،
حضرات السيدات والسادة الكرام، الأحباء،
قبل الكلام، والكلام اليوم هو في أجواء الروحانية الهندية التي تعمّق بها ومارسها وتمرس بها “كمال جنبلاط”، لدي طلب من الحضور إذا سمحتم:
هل يمكن أن نتشارك في دقيقة صمت، نتواصل خلالها مع أجواء السلام والمعرفة التي منبعها الهند؟ هذه الأجواء التي أدخلها كمال جنبلاط في حياته اليومية وتغذى منها وقدّمها للآخرين. أدعو كل منا الى الإستدارة الداخلية من خلال الفكر والقلب والنفس الى تلك الأجواء، كما يعرفها أو يختبرها أو يتخيّلها كل واحد منا…
كما أدعوكم إذا سمحتم أن ترسلوا هذا السلام، وهذا واجب إنساني، الى الأطفال والنساء والعائلات في غزة وهي على مسافة قريبة منا، هؤلاء الذين يعانون منذ عدة أشهر ما يفوق التصور والقدرة على التحمّل…
موضوعنا اليوم هو كتاب الإستاذ محمد سعيد الطريحي الذي بين أيدينا، وما تطرق اليه الكتاب؛ أي علاقة كمال جنبلاط بالروحانية الهندية وتقاليدها وفلسفتها ومسالكها. وكتاب الإستاذ الطريحي مميّز إذ أنه لخّص بإخلاص وترتيب موفّق أبرز ما توفر من معلومات وشهادات عن زيارات وإرتباطات ونشاطات وإختبارات كمال جنبلاط مع الهند الروحية… ويتضمن الكتاب أيضاً أبرز ما كَتَبَه وترجمه وعرضه كمال بك في هذا الميدان.
أن نجد كل ذلك في كتاب واحد حقاً أمر مميز. مشكور الإستاذ محمد على هذا الجهد. وجود هذا الكتاب بين أيديكم يجعل بحوذتكم أفضل ما توفر في هذا الموضوع، منظّم بمؤلَّف ومرجع واحد.
كُتب الكثير وفسّر الكثير عن الهندوسية وفلسفتها اللا إزدواجية وممارساتها المتشعبة، في لبنان وعادة كان الموضوع مرتبط بتجارب كمال جنبلاط، كما في الهند والغرب، ولكن هناك عنصر مهم جداً وأساسي لا يمكن فهمَه وتحسسَه وإستيعابَه بالطريقة الصحيحة إلا بالتواصل المباشر والحضور المباشر والتفاعل المباشر، وهذا ما سأحاول إضافته الآن في لقائنا المبارك اليوم.
ولكن قبل ذلك، من واجبي ذكر السوامي شيدانندا، المعلم الهندي المميز الذي كان يزور لبنان بإنتظام في السبعينات والثمانينات وينزل هنا في بلدة بعقلين بإستضافة المرحوم الصديق العزيز عمر منصور. وكان من حظي أن أكون بحضرته هنا لعدة أيام خلال آخر زيارة له في حزيران 1995. وكان سوامي شيدانندا صديقاً روحياً لكمال بك.
العناوين الثلاثة التي سوف أتطرق اليها والتي طبّقها كمال بك في مقاربته للممارسات الروحية الهندية هي:
1 – الإختبار الشخصي
2 – التواصل المباشر مع المعلّم الروحي
3 – الممارسة بدافع الدارما الأسمى (الواجب أو الهدف الأسمى، أي تحقيق الذات)
وخلال تطرقْنا الى كل من هذه العناوين، أدعوكم الى التواصل من خلال القلب والروح أكثر منه من خلال الفكر والذهن (the mind, the intellect). تقول المعلمة الهندية Amma, Mata Amritanandamayi وهي معلمتي الروحية: “لا يمكن فهم وإختبار الروحانية والمعرفة الحقة من خلال الفكر. بل علينا إختبارها مباشرة من خلال قلبنا وروحنا.” وتفسِّر أنه يمكننا مقارنة الفكر بالمقص، والقلب بإبرة الخياطة. كلاهما مهم ومطلوب إذا رغبنا أن ننجز قميص مثلاً، نلبسه ويريحنا. لكن إستعمال المقص يكون لفترة قصيرة وحسب قياس محدد بدقة. ومن بعدها نضع المقص جانباً ونمضي ساعات طويلة نحيك فيها القطع ببعضها بواسطة إبرة الخياطة. المقص هو كالفكر، يقسّم… إذا أكثرنا في إستعماله، وهو ما نقوم به عادة، تصبح قطعة القماش مقطّعة ومبعثرة كحال ذهننا اليوم. أمّا الإبرة فهي كالقلب، تجمع وتدأب لإعادة جمع ما تم تقطيعه بسبب الإستعمال المفرط للمقص…
المطلوب إذاً إستعمال المقص-الفكر الذي يقسّم ويبعد، أقل، أو ضمن حدود، وإستعمال الإبرة التي تقرب وتوحّد كالقلب، أكثر.
1 – الإختبار الشخصي
الفكرة هنا، هي أن لا يكون الدافع في مسلكنا الديني هو التقليد الشكلي أو السطحي لما يفهَمَه فكرُنا ك”ممارسة روحية”، أو ما تشرَحُه الكتابات أو كلام المعلمين ويستوعبه ذهنُنا كمسلمات. العبرة هي في الإختبار الخاص من خلال القلب والروح. فيشكل هذا الإختبار تجربة خاصة بالفرد، تميزها خصوصيات كل واحد منا الفريدة، لا تشبه بالضرورة ما يصفه الآخرون.
إن هكذا إختبار، يلازمُه غالباً إلهامٌ رفيعٌ يشعر معه المختبِر بالحاجة للتعبير عن هذه التجربة الغنيّة من خلال الشعر أو الأعمال الخلّاقة المبدعة، كما يُشعُر بفرحٍ كاملٍ، مريحٍ ومطمئن… هذه الحالة نستشِفُّها بوضوح في كتابات كمال جنبلاط الشعرية والصوفية. أروع ما نظمّه في هذا الميدان ورد في كتاب “فرح”. أن إختياره “فرح” عنواناً لهذا الكتاب يدلّ عن مصدر هذه الأنغام: الإختبار الداخلي الخاص والفرح الأصيل الذي يرافقه… “الفرح الأكبر – الفرح الذي لا يوصف”، كما أسماه مخائيل نعيمة في مقدمتِه لهذا الكتاب.
ونجد في الفصل الأخير من “فرح” تحت عنوان “أفضل الشعر” (صفحة 140) التفسير التالي لكمال بك عن الشعر، ما يساعدنا على فهم وإستيعاب ما أحاول تفسيره. يقول:
“… أن الشعراء على أصناف ومراتب ثلاث:
منهم من يصف الأغراض – أي الصور الحسية والعواطف والأفكار – التي يقع عليها النور. وهذا في الحقيقة ليس بشعر…
ومنهم من يصف الأغراض وإنعكاسات النور عليها، لكن دونما أن يتلفت – في خدعة جهله وإنجذاب عقله – الى مصدر الأشياء وينبوع النور. وهذا شعر المتفوقين.
ومنهم من غاصت عيناه في لجَّة النور فغاب في النور وأضحت موسيقى النور سعادة ذاته، فان صادف له وخرج من ذاك النطاق السحري المسحور قال ما قال، لا لكي يسمعه الناس – وهم ليسوا في سكرة الدنيا بموجودين – بل لكي يراقب حقيقة ما يشاهد. وهو أعظم الشعراء وأعظم البشر: فما همَّه ان صاغ شعراً أو كتب نثراً ، فالشعر ملء بُرديه وطَفحُ جَنانه…”
العبرة للممارسة الصحيحة، كما شرحها كمال بك أيضاً في كتابه “فيما يتعدى الحرف” (صفحة 51) هي ” بالإختبار البشري الروحي المتجدد والمتوضّح الحيّ، لا بالتقليد ولا بالإيمان ومضامينه، ولا بأية سلطة دينية مهما عظُمت، ولا بأية نظرية أو نظرة جافة…”
2- الممارسة تحت إشراف معلّم روحي (الغورو)
حسب التقليد الروحي الهندوسي، أول أمر يقوم به الباحث الروحاني الصادق والجدّي هو تجهيز النفس لملاقاة المعلّم الروحي الخاص به.
بعد لقاء المعلّم (ويشكل اللقاء غالباً مناسبة مميّزة جداً في حياة الفرد)، من واجب التلميذ الإنفتاح الكامل له. يُترجم ذلك بإظهار إحترام كلّي لشخص المعلم/الغورو يصل الى الخضوع الكامل لتعاليمه، وإرشاداته، وتعليماته، ومشيئته، حتى التقديس والتأليه!
إتّبع كمال جنبلاط هذا السلوك تجاه معلّمه شري أتمانندا، وبمثالية مُلفتة، منذ لقائه الأول به عام 1951 وحتى مغادرة أتمانندا لهذه الدنيا عام 1959، وبعدها… توجّه إليه في كتاباته بتسمية “معلمي ومرشدي مولاي الحكيم شري أتمانندا” وأهداه أهم مؤلفاته الشعرية والصوفية. مثلاً، جاء في تقديمه لكتابه الشعري “Ananda – Félicité”، ما ترجمته:
“إضع هذا الأكليل من الورود البائدة على أقدام أعظم المعلمين. نَفَس لطيف منه يبعث فينا الحياة، فيُصبح ذهننا طاهراً، وجسدنا مقدساً. أسعد الناس من يراه لمرة، لأنه بعدها لن يعرف الموت أبداً”
كما طلب كمال بك من معلمه الارشاد وإستمع أليه بشغفٍ لتمكين معرفته في الأمور الفلسفية وإختبار حقيقة الذات، وسأله عن أمور الحياة الجسدية العادية كممارسة الحركات الرياضية والهاتا يوغا ونظام الأكل (صفحة 91 الى 94 من كتاب “حوار بين كمال جنبلاط والحكيم كريشنامنون في الهند – الرحلة الأولى”). وإستأذن المعلم عمّا أذا كان بإمكانه ترداد ما شرحه له المعلّم الى الآخرين (صفحة 98-99). تابع التلميذ كمال جنبلاط بدقة كل ما طلبه منه المعلّم في هذه الأمور وغيرها…
حتى في خضم مسؤولياته السياسية ومنها الوزارية، نظّم كمال بك نشاطه بطريقة تسمح له بزيارة الهند بإنتظام والجلوس الى جانب معلّمه لفترات طويلة؛ فيغيب في ربوع دفء الروحانية الهندية لعدة أسابيع كل سنة.
ما أريد تسليط الضوء عليه هنا، هو أن كمال جنبلاط كان جدياً للغاية في الموضوع الروحاني، فهو بالرغم من تمكّنه منذ الولادة للكثير من الإستعدادات الفلسفية والتهيؤ الروحي، لم يسلك الدرب منفرداً ولم يتكّل على جهده الخاص – وغالباً ما يؤدي هكذا جهد الى الإعتداد بالنفس والسقوط في أفخاخ الأنا. بل نفّذ بإخلاص الشرط الأول حسب التقليد الهندوسي لإي تقدم روحي حقيقي: الجلوس بكل تواضع وخشوع عند أقدام المعلّم. فتسنّى له التفاعل المباشر مع المعلّم وتعميق إختباره الداخلي.
3- الممارسة بدافع الدارما الأسمى
في أغلب الحالات، تكون المصلحة الخاصة (مادية أو نفسية) هي الدافع لأي عملٍ أو تصرفٍ أو قرار يتّخذُه المرء. فالأنا (بمعنى ال Ego) هي وراء معظم تصرفاتِنا. حتى أنها أحياناً، تكون وراء بعض ما نعتبره ممارسات دينية أو روحية، أو معرفة. يُنبِّهنا الحكماء أن لا يكون دافعنا الخفيّ هو إبهار الغير أو الشعور بالتفوق عليهم أو حتى إسترضاء الرب… زوراً!
فالممارسات الروحية الصحيحة والصالحة يكون الدافع وراءها خارج عن ال Ego وألاعيبه المتشعبّة والماكرة. في الممارسة السليمة يكون الجو الداخلي جو تحاور مع الرب وصفاء مع الذات، بدل التصارع الفكري والنفسي المستمر بين ال Egoالشخصي وEgos الآخرين. كمال جنبلاط أدرك أهمية وقدرات هذا ال Egoالحاذق والماهر، فسعى دوماً أن يبقى دافعه في مختلف ممارساته اليوغيّة هو الدارما الأسمى Highest Dharma (الواجب والطريق الأرفع) ألا وهو تطهير النفس والروح، وتحقيق الذات الأبدية The Eternal Self.
عبّر كمال جنبلاط عن ما إختبره في هذا الإطار، بالكلمات الشعريّة الجميلة التالية التي توجه بها لمعلّمه، في كتابه “Ananda – Félicité”(صفحة 19)، وترجمتها:
“إيها الحبيب! الظلال على الجبل قد ماتت منذ أن وجدتُ ذاتي في نورِك.
تمرّ الأيام والليل يُسيّرُ قدري. ولكن لا يهمّ اين يأخذه إذ أنني لم أعد أنا.”
عبارة “ذاتي”، عنى بها كمال جنبلاط الأنا الأبدية The Self؛ وعبارة “أنا”، عنى بها الأنا الظرفيّة ال .Ego
أخيراً، كلمة عن الفلسفة الهندية:
تقول الفلسفة الهندوسية وهي فلسفة الأدفايتا Advaita (أي اللاإزدواجية أو الNon-duality)، بإيجاز، أن ما يعيشه الأنسان على الأرض هو غالباً حالة وهِم illusion والمُسبب لهذا الوهم هو النظرة الإزدواجية Dvaitaلأمور الحياة، التي تتترجم بصراع مستديم بين غرضَين: ما يتمناه الفرد وما هو حاصل. وهي الحالة التي يعيشها معظم البشر وتؤدي الى التوتر والصراعات الدائمة داخل النفس بين الآف المشاعر والرغبات المتنازعة.
أما سالك الدرب الهندوسي، فعليه أن يحاول دوماً أن يُبقي في داخله خلفية النظرة أللاإزدواجية (Advaitic perception) الى العالم. فيحاول، تطبيقاً لهذه الخلفية، أن يرى الترابط بين مختلف الأغراض فلا يغيب عن ذهنه أن مصدرَها هو واحد. نظرتُه للحياة تتعدّى الصراعات بين الأغراض والرغبات، فالحياة واحدة تعبُّر عن نفسِها بأشكال وألوان جمّة. على الانسان الروحاني أن يقبَلها كلها كما هي، وأن يتّبع موقع الشاهد والمشاهد لما يدور حوله، وما يدور في داخله من أفكار وعواطف متنوعة ومتلاحقة.
وأختُم،
أن الله واحد، خالق كل ما في هذا الكون. فكل أشكال الحياة هي جزء من حياة واحدة، ما يجمعها أكثر بكثير وأهم بكثير مما يفرقها. سوء إستعمال الفكر خلق التفرقة والإنقسامات، أما القلب والروح فهما ما يقرّبان ويوحّدان دائماً… السعادة تأتي مما يقرّب. السعادة تأتي من القلب. من الإنسانية، من المحبّة، من تطبيق بعض النصائح التي تقدمها لنا كافة الأديان، من التحرر من الأنا الضيّقة والأنانية… هي جمال وفرح…
شكّل عالم الهندوسية المنبع الروحي والفلسفي الأغنى لكمال جنبلاط، فأظهر عمقاً نادراً في إستيعاب أرفع مبادىء الحكمة والمعرفة، ومارسها وطبقها بوجهٍ مثالي، مما سمح له بعدها الفهم المباشر العميق للتقاليد الروحية الأخرى التي تفاعل معها.
لا أرغب في الإطالة عليكم أكثر…
بكل محبة، شكراً لكم جميعاً
المحور الثاني سيحدثنا فيه الدكتور ناصر زيدان عن جوهر التوحيد في فكر كمال جنبلاط
د . ناصر زيدان هو كاتب ، وصحفي ، وأكاديمي . حائز على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدولي العام .هو استاذ للعلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية ،
ورئيس وحدة الدراسات السياسية والاستراتيجية في المعهد العالمي للتجديد العربي. له ١٠ مؤلفات والعديد من الأبحاث القى عدد من المحاضرات في مؤتمرات متخصصة ، يكتب مقالات دورية في صحف النهار ، الخليج الامراتية ، الانباء ومؤسسة الفكر العربي .
وقد شكل فكر المعلم قبلته منذ مطلع الشباب ،فالتحق بالحزب التقدمي الأشتراكي وواكب توالي الأجيال على رئاسته .عرف بديناميته في متابعة شؤون الناس التي اوكلت اليه ، وبوفائه وولائه لفكر المعلم كمال جنبلاط
دكتور زيدان تفضل الكلام لك.
أعادنا العلامة والباحث والناشر محمد سعيد الطريحي الى زمنِ المحبة كطاقة كونية ترتكز عليها الحياة. الى زمن القوة المعنوية الكامنةُ فينا والسجينةُ داخلُنا، وجعلنا نشعر من جديد بأننا جميعاً تحت خيمة الباري جلَّ وعلَّ، حيث لا فلكٍ دوار ولا نَفَسٍ شهاقٍ زفار إلا بقدرة العليِّ الجبار.
كتاب “الحكيم الموحد كمال جنبلاط في تجلياته الهندية” الصادر عن أكاديمية الكوفة في هولندا؛ ومضةُ نورٍ وإشعاع في زمنٍ غَلَبت عليه العتمةُ الفكرية، وبدا سراجُ العقلِ مع هذا الزمان محجوبٌ في بعض إشعاعاته؛ يتيماً يشعرُ بغربةٍ مُوحشة، لأنه أدرك أننا في عصرِ المادة، او في أحد الأدوار ال 72 حيث تغلَّب فيه الكثيفُ على اللطيف، واختلَّ التوازن المبني على تكامل كلٍ منهما، حيث لا معنى للأول من دون الثاني. واللطيفُ، هو السابق، وهو بالواقع؛ القوة الخارقة التي تحيطُ بكلِ شيء، ونحن لم ندرك كل مكامن تأثيرها بعد، لكن هذه القوة الخارقة لا تأمر بالسوء، فإنما السوء او الشر من فعلة البشر الذين أظلّوا الطريق، وانحرفوا الى أن سقطنا جميعاً في هوة المُنكر السحيقة، بعضنا استسلم فيها والبعض الآخر ما زال يقاوم بإيمانه ويرفض الاستسلام.
نشكرك أيها الطريحيُّ العاقل، يا ابن العراق الغالي، أرضُ التاريخ ومرقدُ الأنبياء والأئمة وموطنُ النُجباء، ونعتذر عن عدم تمكن راعي هذا اللقاء الأستاذ تيمور بن وليد بن كمال جنبلاط من الحضور بسبب السفر، وهو كلف أحد أعزّ الناس واكثرهم معرفةً واخلاصاً معالي النائب الاستاذ مروان حمادة لينوب عنه، كما نشكرك باسم محبي المُعلم الذين عايشوه وما زالوا على قيد الحياة، كما الذين تتلمذوا على هُدى خطاه وافكارهِ ولم يبدِّلوا تبديلا. لقد كُتب الكثير عن كمال جنبلاط، وطبعت كتاباته الغنية والواسعة الانتشار، ولكن قراءتنا لهذا المولود الكوفيُ الجديد، جعلتنا نشعرُ بأننا لم ندرك حتى الآن كل جوانب فرادة كمال جنبلاط وخصوصياته الفكرية والإنسانية والروحانية، وربما نسينا او تناسينا او لم يخطر ببالنا؛ بأننا أمام نهرٍ مُتدفق من الأفكار والقيم؛ لم يتلاشى، ولم يشحّ، ولم ينضُب مع مرور الزمن، بل أغنته السنون، ولم تنل منه مكاربُ العصرِ، بل أزهته، لأنه بدا كأنه مجراً يحملُ صداً لصوتِ العقلٍ والصدق والصفاء وسط بريةٍ قاحلة تعبثُ فيها مخالبُ الأشرار.
يتحدث كمال جنبلاط في الصفحات 84 و87 و98 من الكتاب عن رفعةِ الحكيم وقيمةِ الحِكمة وعن نصاعةِ النور الروحاني، ويقول: عندما يكون لديَّ فكرةٌ أبصرُ ذاتي، والحكيمُ مقامهُ او مستواهُ محضُ وعي. ويتابع، بالشمس الداخلية التي لا يراها أحد، أرى كل الورود، وبها أسمعُ وأشعرُ وألمسُ وأفكر، هي تنير عقلي، وهي تكشفُ لي الأشياء دون أن تنكشف أمام أحد. وفي مخاطبته لمعلمه شري أتماناندا يقول في الصفحة 100: “عندما أسمعك، وعندما تظهرُ لي عبر الموسيقى، أصبحُ في حالة ارتقاء وأعتلي درجات عقلي” .
آهٍ… كما هي قوة الحقِ كبيرة، فالله حق، وفيما يتعدى الحرف والكلمات تتموضعُ القيم وترابطُ مدافع النرفانا التي تقذف بصواريخها اللطيفة الخارقة؛ المحبةَ والسكون الى حيث لا تصل حممُ الآخرين القاتلة، أنها لعبةُ قوة الصمت كما يقول عقال الموحدين الدروز، وقوةُ السماحة او التسامح كما يصفها المسلمون الصوفيون، وهي كالمحبة التي تتغلَّب على كل شرّ كما يراها السيد المسيح. ويردد جنبلاط: ربي إني ما عبدتَك لأجلِ جنتِك، ولا خوفاً من نارِك، بل لأنك الحق والمحبة وشعاعُ النور الذي ينبعثُ فينا آتياً من مكانٍ لا ندركُ رفعتهُ.
وما الدنيا الا حدودٍ خمس (العقلُ والنفسُ والكلمةُ والسابقُ والتالي) وحواسٌ خمس (السمعُ والبصرُ واللمسُ والذوقُ والشمّ) ولولاها لبقيَ كل شيءٍ مجهول، فالعالمُ من صنع الحواس كما يقول جنبلاط (صفحة 52) فقد جاء في كتب حكمة الموحدين: آه يا نفس لو تعلمين ما هو هذا الجرم الذي تعيشين عليه بثقله ورسوبه والسبحُ الدائرُ ما دونهِ. ولعلىَّ توصيف الباحث الطريحي في الصفحة 14، يعبر أبلغ تعبير عن حقيقة النزعة التوحيدية لدى كمال جنبلاط، بحيث يراها بُنيت على تجاربٍ فكريةٍ وروحانيةٍ سابقة، ومن ضمنها الفلسفة الهندية ونتاجها اليوغي، والأسس الاسلامية المتجردة، والنزعات المسيحية المتحررة التي أظهرها الراهب اليسوعي الفرنسي تيلار دي شردان بأفضل مشهد.
الكتابُ يُلقي الضوء على فرادة كمال جنبلاط، فهو مثالي وعاش الواقعية بتفاصيلها، لا سيما من خلال دورهِ القيادي المُتقدم، وفي متابعتهِ لتفاصيل الحياة السياسية والحزبية وتشعباتها المحليةِ والعربيةِ والدولية، حتى أن فكرة تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي في العام 1949؛ جاءت مُنسجمةً مع الرؤى التي آمن بها جنبلاط، وقد اعتبر ميثاق الحزب أن الإنسان هو غاية أي مؤسسة وعمل بشريين، فلا يجوز استخدام هذا الإنسان كوسيلةٍ لتحقيقِ ربحيةٍ مُتفلِّته كما يحصل في بعض دول الغرب الرأسمالي، ولا ظلمهِ وقهرهِ من أجلِ السلطة او لتنفيذ مشاريع توسُّعية او لزيادة النفوذ كما يحصل مع شعب فلسطين المُعذب، ولا يجوز تقييد حرياته كما كان يجري في بعض البلدان التي طبقت الشيوعية على غير مقاصدها، كما في بعض الدول العربية التي جنحَت نحو الاستبداد وحوَّلت واحات الخير والأصالة الى سجنٍ كبير، وهو دعا الى تحقيق اشتراكية أكثر إنسانية تنسجم مع الآدمية البشرية، والعمل على تحقيق هذا الهدفُ برأيهِ يسمو على أهمية أي عمل آخر لأنه يخدم الإنسان.
عندما عرض كمال جنبلاط فكرة تخليه عن السياسة على مُعلمه الحكيم شيري اشنكارا، رفض اشنكارا هذا الخيار، وتمنىّ عليه الاستمرار بالقيام بدوره الوطني والأممي، لأنه بذلك يعطي نموذجاً على أنسنة السياسة، ويغنيها بأبعادٍ فكريةٍ وروحية، باعتبارها أشرف المهن لأنها تتعلق بقيادة الناس وبالدفاع عن مصالحهم وليس استغلالهم ودفعهم نحو البؤس والعوَز. ويمكن ملاحظة اعتبار جنبلاط للمشاركة في أعمال ترميم منازل بلدة باتر الشوفية التي تضررت في زلزال العام 1956 على سبيل المثال؛ كجزء من حراك له ارتدادات كونية، او أنه مرتبط بالطاقة الخارقة، التي تفرض الوقائع كما تفرض طريقة التعامل معها في آن.
وتذكر الباحثة في الفلسفة الهندية السيدة نهاد أبو عياش التي كانت في الهند في 16 آذار 1977 (ص 33)؛ أن المعلم شيري اشنكارا ألغى برنامجه الديني الحافل في ذلك اليوم، وطلب إضاءة المشاعل عندما علِم باغتيال كمال جنبلاط، وهو ما لم يحصل لأي سياسي سابقاً، إلا عند استشهاد المهاتما غاندي عام 1948 وإبان اعلان وفاة الزعيم التاريخي جواهر لآل نهرو عام 1964.
ويمكن الإشارة في هذا السياق أن توارد أفكار كان يحصل بين جنبلاط واشنكارا، أحياناً من دون أن يلتقيا او يتحدثا (كما ذكرت أبو عياش) وجنبلاط كان يؤيد مقاربة اشنكارا في نقده للعدمية البوذية (على ذمة ما جاء حرفياً في الكتاب) وهو ميالٌ للهندوسية التي تتشابه مع التوحيد الهُرمسي الذي يتباه الموحدون الدروز.
ويعيدنا كتاب الباحث الطريحي الى قوة معراج التوحيد، وفي أن الطاقة الكونية هي التي تقف خلف محركات الوقائع، ونحن لم نُدرك بعد كل زوايا هذه الطاقة، بينما يعتبرها جنبلاط أنها الله بذاته، والله محبة كما قال البيرت آنشتاين. وفي أن الخير الوحيد في هذا العالم هو المعرفة، والشر الوحيد في هذا العالم هو الجهل، ويتقارب هنا مع سقراط الحكيم، ويقول: تكلَّم كي أراك، فصوتك يعبر عن وجودك.
وفي نشيد النور الذي أهداه المعلم الى “صديقة حياتي مي” كما وصف زوجته الراحلة الأميرة مي التي رافقته في رحلة العام 1953 الى الهند” وفق ما جاء في الكتاب صفحة 131؛ فيفصِح جنبلاط عن ايمانه بالقوة الربانية التي تدور فوق رؤوس المؤمنين، ويقول: هبط عليَّ النشيدُ كما يهبطُ الحُب على فتاتِ القلب، وكما يهبطُ الندى على أزهارِ الأهليلج (او اللوتس)
قد يكون أبلغ ما جاء في الكتاب، هو ما ذُكر في الصفحة 65: حيث يقول الناشر: “أن الكتاب وضع من أجل الصادقين والمريدين الذين لم يكتفوا بالمعرفة النظرية؛ فأرادوا متابعة طريق التحقُّق” والتحقُّق هو اقتفاء الأثر وراء الدلائل للوصول الى اليقين الدامغ. والخورزميات الإنسانية لا تقلُّ شأناً عن خورزميات الخلايا التي أوصلتنا الى شيءٍ من الإعجاز العلمي، فجزؤها ليس أقلَ شأناً من جُلُها، وأنين النحلة الرقيق ذاته؛ جزءٌ من حراكِ الكونِ الكبيرِ برمتهِ كما يقول كمال جنبلاط.
لو لم يكُن هناك تجليات جنبلاطية؛ لكان عالمُ الفكرِ بحاجةٍ الى تجلياتٍ جنبلاطية.
شكراً للعلامة الطريحي… شكراً للدكتور فؤاد ناصيف… شكراً للمحامية السيدة غادة جنبلاط على إدارة الندوة، وشكراً للمكتبة الوطنية على الجهود التي بذلت لإنجاح هذا اللقاء الذي أعادنا الى زمن الصفاء والتجلي، في وقتٍ أنهكتنا مشاهد القتل والتنكيل التي ترتكب بحق الفلسطينيين والجنوبيين، وأرهقتنا إخفاقات غالبية الساسة في لبنان والذين أعادونا سنيين الى الوراء بينما كنا ننتظر ان نسير الى الأمام، او نحو الإنعتاق.
شكراً لكل الحاضرات والحاضرين. أكتفي بما قلت رغم أن هناك الكثير مما يمكن أن يُقال بعد… كي لا ينطبق عليَّ توصيف: أطال فأملّ، وارجوا أن لا أكون كمن اختصر فأخلّ… والسلام.
ومسك الختام مداخلة مؤلف كتاب “الحكيم الموحد كمال جنبلاط في تجلياته الهندية ” الدكتور محمد سعيد الطريحي .
هو كاتب وباحث عراقي من مواليد الكوفة
— صاحب ورئيس تحرير موسوعة الموسم العلمية المصورة
— امين عام دائرة المعارف الهندية- بومباي
— عضو اتحاد الكتاب العرب في سوريا والوطن العربي
— صاحب ورئيس تحرير موسوعة الريدان ،ورئيس تحرير نشرة الراية العلوية .
.– عميد معهد بن رشد لدراسة الأديان في هولندا
له العديد من المؤلفات والتحقيقات
والمقالات والبحوث والمحاضرات، نذكر منها:
خزائن الكتب الاسلامية القديمة في الكوفا ، التأثيرات النصرانية في المجتمع الكوفي ، وكتاب حنين بن أسحاق .وغيرها الكثير الكثير .
واليوم سيتحفنا بالكلام عن كتابه الذي جمع فيه دراسات حول تجليات الفلسفة الهندية في فكر كمال جنبلاط ..فأهلا” وسهلا” بك دكتور محمد الطريحي في مكتبة بعقلين الوطنية وفي كنف المعلم الشهيد كمال جنبلاط تفضل الكلام والمنبر لك .
تحايا ومحبَّات للعراقِ ولبنان وسائر ما اطلعت عليه شمس الحقيقة من البلدان، والسَّلام على من جمعنا اليُمْنُ باسمه وهيبته ومكنونات فضله في هذه الأُمْسيةِ (الحكيم الموحِّد كمال جنبلاط)، شاكراً للمكتبة الوطنية في مدينة (بعقلين) الزاهرة الفيحاء على احتضانها هذا الحضور البهي والصفوة المختارة ممن شرَّفونا بوجودهم ملتمسين الاستفادة من خبراتهم لإغناء عملنا باستجلاء السمو الروحاني من تجليات (الحكيم المُوَحِّد) ذات الأبعاد والصلات الفلسفية الهندية.
وإذ جرى على لساني في بداية حديثي ذكر العراق ولبنان فَلِما لهما في قلبي من الودِّ والتجلَّة باشتراكهما في المجد المؤثَّل والحضارة الموغلة في القِدَم والحب المتبادل ماضياً وحاضراً.
منذ أسبوعين هاتفني الأستاذ الدكتور منير حمزة من أجل ترتيب هذا اللقاء ثم هاتفني مؤكِّداً الأستاذ الدكتور ناصر زيدان أدامّ الله عزَّهما وعزّ بني معروف، وتشرَّفت – شاكراً – بقبول الدعوة – فانتقلت من هولندا الى بغداد حيث عزمتُ على الإقامة فيها لأيَّامٍ قُبيل سفري الى بيروت، وكان من محاسنِ الصدفِ (أو قًل) المشيئة، أن تكونَ اقامتي في العاصمة الزوراء بمنزلٍ يقابل (ساحة جنبلاط) وسط بغداد، فسعدت بهذه المقاربة وتفاءلت خيراً، وجرى الحال على أن أكتب شيئاً فيما يتخاطر على ذهني من قراءاتي لفكر جنبلاط وبخاصَّةٍ فيما يتعلق بآفاقه الروحية السَّامية الرَّحبة، فعمدتُ لتصفّحِ ما سبق أن انتقيته من مباحث ضمن كتابي الصادر عن أكاديمية الكوفة، والذي كان القصد منه أن يكونَ مفتاحاً ومدخلاً لدراسة فكر جنبلاط واهتماماته بالفلسفة الهندية، ووقع نظري على صورته التي لفتت اهتمامي من قبل، والمنشورة في الصفحة الثانية عشرة من الكتاب، والتي بدا فيها السيد الحكيم الموحِّد سادر الفكر في عالم الخفيَّات وقد شغله الحال عن كلِّ حال حيث بدا فيها جالساً على بساط الزَّهادة مفكّراً متأملاً مُبْحراً في عوالمِ الحكمة، فأوْحَت لي هذه اللقطة الفريدة الأثيرة لديَّ ما أوحت لي في السطورِ التي كتبتها ساعتئذْ، وها هي بين يديَّ (كما أُنْزِلت على حدِّ تعبير الفقيد جنبلاط في وصفه لمنظوماته) أتلوها عليكم عرفاناً وتبجيلاً وذكرى طيبة لروحه الملهمة في أعلى عليَّين:
مناجاة الحكيم أو سفر الى مرافئ الأبدية
وإذ تجسد أمامي المعلم خاشعاً في محرابه، مشغولاً في تأملاته.. جَدَّ لي التخاطر الذي تمرَّستُ فيه أن أغوص في أحاسيسه خلال سفره الى مرافئ الأبدية.
هاتان المقطوعتان تنزَّلتا عليَّ من إلهامِ المعلم تحملان قبساً من رُوحيَّته وفيهما ما فيهما من الدلالةِ على ما كانَ عليه وما آل اليهِ، من إيمانه بالفترات والقرانات، وهما من صلبِ اتجاهاته في التفكير التوحيدي.
أُولاهما هذه المقطوعة عن أوَّل الكون كما ذهب اليه التوحيد الأوَّل: خطَّان أحدهما على الآخر في الوسطِ، يلتقيان في النقطة الوحيدة التي عبَّر عنها الامام علي (عليه السلام) بأنها (النقطة التي كثَّرها الجاهلون)، بل هي الواحدة المنبثَّة من الواحد، ولهذا ركَّبَ السيد المسيح (عليه السلام) الصليب على مثاله، فكانَ ذلكَ دليلاً على الأصلينِ أي السَّابق واللاحق، فكأن – لسان حاله – يقول:
خطَّان خُطَّا بيدِ القدرةِ
بالقلمِ الرامــــــــــــــــزِ للوحدةِ
وامتدَّ في لوح القضا كونُهُ
ولمْ يزلْ يجدُّ في الوسعةِ
أبدعَ ربّي كائناتُ الورى
وكلُّ مخلوقٍ على الفطرةِ
كلُّ الذي تراهُ منْ نقطةٍ
أمَّا المحيطاتُ فمنْ قطرةِ
التنزُّل الثاني من كمالات جنبلاط وفق ما نظمته (في الحال) أيضاً:
أدورُ في دائراتِ اللانهايـاتِ
وقدْ تنقَّلتُ في شتَّى المجَراّتِ
ولا يزال أجيجُ الشّمسِ في كبِدي
يرمي بروحي أقاصِيِّ المسافاتِ
مُسَيَّرٌ أنا للرحمنِ يخلُقُني
منْ بعدِ خلقٍ ومنْ ماضٍ إلى آتِ
وكلُّ ما هو آتٍ خطَّه قلمٌ
في اللَّوح يجري بأزمانٍ وأوقاتِ
مرَّت عليَّ ملايينُ الولاداتِ
حتَّى تمرَّستُ في كلِّ الحياواتِ
راضٍ بحكمِ إلهِ الكونِ معتقداً
وفي إطاعتهِ نيلُ السَّعاداتِ
نجواهُ فرْضٌ وتقواهُ لنا سَنَدٌ
ووحدهُ عالمٌ غيبَ السَّماواتِ
يطيبُ في ذِكرهِ تسبيحهُ أبداً
للمؤمنينَ بأصنافِ العباداتِ
هكذا انبثَّت في رؤى باصرتي ما أُلْهمته في الحالِ وجرت به القريحة على هذا المنوال، وواصلت الإنشاد فقلت:
وما كانَ هذا باختياري ورغبتي ولكن قوانين الطبيعةِ والخلْقِ
وفي مقام الحيرة أختتمُ مناجاتي للمعلم فأقول:
مَنْ أنا مَنْ أكون في دورةِ الـ ـكونِ من يكون (سعيدا)
ومئاتُ الأرواح قد لبستني كلّ آنٍ أرى لباساً جديدا
وبالحَيْرةِ أبدأ معاوداً مع المعلِّم بالسؤال المتجدد المتجذَرِ في الأرواح المُلهمةِ.. من هنا يبدأ حديثي عن الحَيْرة التي تلبَّست (المعلم) فطفقَ يبحث عن أسرار الملكوت خارج حدود لبنان، فما الذي جعل مسلك هذا الانسان الحامل لإرث الزعامة والأُسرية النبيلة والمكانة السياسية الرفيعة لتكون صلته الروحية بالهند أوثق صلة منه بوطنه، وأيّ هاجس هذا الذي يتقمَّصه وتتحرق له مهجته لكي يحجُّ اليه مرة بعد مرّة وليقيم فيه فترات من عمره الأرضي فيستقي من علومه وفيوضِ سكينتهِ.
وفي الجوابِ على ذلك لا يعنيني ظاهر اهتماماته الفلسفية التي تداخل بها فكر جنبلاط منذ بواكير صباه، فباطن ما أعنيه يُغني بما اعتقده وأميل اليه من النزعة الغيبية التي تنَزَّلت عليه فأصبحت الهند هاجسه ومنتهى مناه وطبعت الروحانية الهندية حياته الفكرية بما انتج وكتب كما سلك سبيل حكمائها عملاً وسلوكاً، وتخيَّرته الهند نسيلاً للموحِّدين الأوائل الذين آمنوا بالدعوة بعد تحرر الحاكمية، وبعدما طال الاضطهاد خاصة أتباعها فتفرّقوا، ولم تكن (الشام) استثناءاً لوجودهم إذ التحقت فئة منهم ببلاد البهارات وطناً، وكانَ لهم في (الملتانِ) السندية صولة وجولة قبل ألف عام ومن أعظم الشواهد على ذلك (رسائل قائم القيامة) من آثار الشيخ الرشيد راجا جاتا بن صومار وسجلَّاته المدونة مع الدعاة الأوائل وفي مقدمتهم هادي المستجيبين وبقية أركان الدعوة والحدود التي وقف عندها مسلك التوحيد الذي استجاب للاسلام واندرج فيه، مستنبطاً الشرائع التي سبقته مستمداً معانيها المستعلية الباطنية الحقيقية من سائر كتب القداسة الربانية. متخذاً العقل في استكشافاته، أعني العقل الأرفع والكلي والمبدع الأول وعلة العلل وأصل الوجود وغايته معاً، ذلك المنبع الذي نهلت منه الهندوسية في بداياتها التوحيدية قبيل ظهور إضافاتها التعديدية التي انبثقت عن الواحد (بْرْهْمْ).
وبحسب ما اطلعتُ عليه فالدعوة الأولى لأهل التوحيد في وجودها الهندوي لم تختفي تماماً بل تحولت كما هو الحال في شطرها الشامي بل بقيت جذورها الأساسية في الانفصالية الشيعية الإسماعيلية التي تأثرت بالفلسفة اليونانية الافلاطونية المستمدة من المدارس الهرمسية أو المصرية. بل ان الموحدين أشباه أصحاب الفيدات منتشرون تحت مسميات شتى ضمن أديان العالم والعرفان التوحيدي هو ذاته العرفان الغنوصي الذي تؤمن به ربع البشرية المعاصرة.
حاول (المعلم) أن يسلِّط ضوءاً على أحد الشعوب المؤمنة بذلك النهج وهو شعب (الهونزا
Hunza) ، وعلى خطاه حاولتُ استكشاف الجماعة الشمسية المنسوبة الى بير شمس الدين السبزواري حد دعاة المذهب الإسماعيلي النزاري، والمعروفة أيضاً بـ(سات بات Sant Pant )، أي أصحاب كتاب الجنان (Ginans) من “جُنانا” السنسكريتية التي تعني الحكمة والمعرفة التأملية خلال اقامتي بملتان. وفي تنقلاتي بحواضر (كجرات وأندرابرديش)، لمحتُ ما يشير الى صلة أو مشابهة بهذا التحوّل أو التغيُّر بحسب ضرورات العيش والبيئة والسريَّة المتَّبعة صوناً للحياة ، ففي حياة شعوب تلك الأنحاء وغيرها إشارات وعلامات تستدعي البحث والدراسات المستفيضة.
ختاماً أقول: كان (المعلم) باحثاً عن حقيقته، فاستجلاء الحقيقة هو سر تعلُّقهِ بالهند، ورحلاته اليها حُبَّاً وشغفاً وإشباعاً لرغبة غيبية عارمة، كانت تهيمن على فكره وتسيطر على حواسّه.
انَّ تجربته الروحية في الهند واهتماماته بالفلسفة الهندية الهندوية تحتاج الى دراسات معمّقة فيما تركه من مباحث وذكريات ومنظومات تعبر عن ذلك، وما في هذا الكتاب مفتاح ومدخل لدراسة تجلياته الهندية أظهرتها تحفيزاً لطلاب العلم والحقيقة على الغوص في دقائق الجانب الصوفي من حياة (المعلم) وتبيان مقامه الناطق بلسان التوحيد ففيه تكمن أسراره الروحية فالغوص في بواطنها توصل سالكيها بالاستنارة من الجذوة التي لن يخبو أوارها بعلمه وعمله وسيرته ومسيرته وعلمه ونهجه، فسلام عليه في الخالدين.
ختاما اشكر المحاضرين الكرام على مداخلاتهم التي اغنت فينا حضور المعلم حيا بفكره وفلسفته وتجلياته وايمانه التوحيدي الموصل الى الحقيقة ..الله .
واشكر حضوركم جميعا” أيها الاصدقاء ،أصدقاء فكر المعلم ، وأخص بالشكرمدير المكتبة الوطنية الاستاذ غازي صعب الذي يحتضن الثقافة ، ويكرم الفكر والابداع والمبدعين .