ان اضخم واخطر واثمن ما يعوز الحضارة الحالية القائمة انها لم تعد تعرف معنى الفقر وقيمة الفقر في المحتوى الاصيل للكلمة.. اي انها لم تعد تقدّر ان الفقر فضيلة .
والفقر هنا في هذا المغزى هو الكفاف عينه، هو هذه الكفاية التي نسدّ بها حاجات الجسد وتطلبات العيش الاساسية، هو الكفاف ، هو القناعة …
وكيف يمكن ان تزدهر الحياة بأفضل الادب والفن وقيم الاخلاق، وان تكون المدنية حضارة حقيقية وسط مجتمع لا يفكر فيد المواطن الانسان الا بالرغبة والتطلب وباقتناء كل جديد، وباستبدال كل قديم ، ولا يهدف الا لشراء القنية ، وتخمة الفم و البطن وزحمة الاشتهاء في الحواس، وازدحام الافكار واختلاطها في العقل كمن يعيش بلا هدى ولا قياس ولا قاعدة ولا مراس ، وكمن يسجن نفسه دائماً وابداً في عالم الحواس ، او كمن يقلّد البرجوازيين الكبار والاغنياء في الظاهر لا في باطن الحقيقة ، الذين يتمرغون على اوحال هذه الدنيا وشواطئها المغرية، والذين كانوا على مر التاريخ الملح الفاسد والطينة البالية والعهد المنقوص والامانة المنتهكة والكنز المدخّر الذي لوّث به اصحابه انفسهم بأيديهم ، ثم لوّثوا ودنّسوا ما حولها فاستحقوا لعنة الحكمة والقرآن والانجيل الخالدة، ولعنة البوذا وكل انجيل قبل ان يستحقوا لعنة كارل ماركس واوين وبرودون وسان سيمون وسواهم من الاشتراكيين الخالدين ، وقبل ان يستدرجوا لعنة غاندي في انجيله الجديد.
كان الفقير تسمية للفاضل القادر المؤمن في كل معناه اي للانسان في الانسان . ولا فقر في الواقع الا للحق ولما يسلبه في النفس من نعمة الشوق وفرح المعرفة . وكل نشاط من نشاطاتنا انما يهدف اولاً واخيراً الى الفرح ، الى السعادة. وقد نسي الناس السعادة في ايامنا هذه وتعلقوا في وهم ذيول المشتهيات والمطالب حتى اضحوا يفكرون بالصعود الى القمر والكواكب، في انخداع رغبة الجديد الجامحة وعماهة الجهل الطامحة ، ولا يفكرون اساساً في الارتقاء الى نفوسهم وفي التعرف الى كوكب السعود في ذاتهم المشرقة فسبحان من اعطى النور لأهله واخذوا في جهلم يفتشون في الخارج عن النور واهله … والفقر الحقيقي هو هذه القناعة الاصيلة في النفس التي لا تتطلب من جديد الا كل نافع ، ولا تغترّ بشيء ولا تنخدع بشيء.
مقياس الحضارة هو تقدير الفقر في الانسان واعتباره الفضيلة الاولى والاخيرة .
(المرجع: مقال له نشرته جريدة الانباء بتاريخ 09/11/1963)