يمر لبنان الدولة في هذه الايام بأزمات بالغة الخطورة لم يعهد مثلها من قبل على هذا المستوى : خطر داهم على حدوده الجنوبية من العدوانية الاسرائيلية العنصرية ، وخطر داهم من جهة حدوده الشرقية والشمالية ، حيث المافيات المتفلتة من كل قيد ، تتاجر بكل شيء حتى بالبشر، وتغرق لبنان بسيل جارف من النازحين الذين بات وجودهم في لبنان يشكل خطراً وجودياً على التركيبة اللبنانية والصيغة اللبنانية . وفي الداخل ازمات خانقة على كل المستويات ، تشمل السلطات الرسمية والادارات العامة ومختلف القطاعات، ورغم كل ذلك يتفاقم الانقسام والتناحر بين المجموعات اللبنانية على اسس مذهبية تحمل بذور حروب اهلية ذات ابعاد طائفية الغائية . يترافق ذلك مع طروحات فئوية مذهبية ومحورية لها ارتباطات خارجية اقليمية او دولية ، كلها تبشّر بأنها لغايات انقاذية تساعد لبنان على الخروج من ازماته الخانقة، وتزعم ان ما تطرحه اثبت نجاحه هنا وهناك ، فلماذا لا نعتمدها في لبنان؟
ومن الملاحظ انه فات اصحاب هذه الطروحات خصوصية التركيبة اللبنانية السكانية التي تجمعت فيها كل خلفيات التنافر والتنازع وحروب الالغاء في شرق اوسط متغير ومتنازع على مر التاريخ ، جعلت الاوضاع في تبدل مستمر سياسي حيناً وعسكرياً عنفياً احياناً ترافقه مذابح جماعية وابادة او تهجير جماعي ولاتزال، والامثلة على ذلك اكثر من ان تحصى .
استخدم الانسان العاقل التاريخ لكي تستفيد الاجيال من دروس الماضي وتتلافى محاذير تكرار الاخطاء والمغامرات وتحمل التداعيات. والمعروف علمياً ان من يتجاهل دروس التاريخ يواجه على الدوام ازمات دورية لا يريدها وتداعيات لم يتنبّه لها.
وعلى اساس هذه البديهيات، يؤسفنا الملاحظة ان البعض في لبنان ، رغم فداحة ما يواجهه الوطن من مخاطر وجودية ، يجد الوقت مناسباً لطرح حلول منطلقاتها مذهبية يرى في اعتمادها انقاذاً للبنان ، فتتسبب، على العكس ، بزيادة تفاقم الاوضاع والانقسامات والنزاعات بين مكونات الشعب اللبناني ، وما يمكن ان تجرّ البلد اليه من مخاطر وجودية كيانية ، تنهي لبنان الدولة والوطن ، ويتحول لبنان الى مجرد بقعة جغرافية على خريطة شرق اوسط متغير على الدوام .
كل هذا يقودنا الى تسليط الضوء على طروحات ثلاث تبرز على الساحة اللبنانية في الوقت الحاضر جميعها صالحة من حيث المبدأ، وقد سجلت نجاحات حيث اعتمدت ولكنها غير مناسبة للطرح اليوم في لبنان وهذه هي الاسباب :
1- طرح الفيدرالية
يروّج طارحوه له على انه السبيل الوحيد والاسلم لإخراج لبنان من معاناته وازماته الدورية بحجة نجاحه في العديد من بلدان العالم . فمع كل احترامنا لصدق نوايا هؤلاء الطارحين نقول ان التركيب السكاني للبنان اليوم والتداخل الجغرافي بين الطوائف المنتشرة على الساحة اللبنانية ، تجعل من لبنان في ظل نظام الطائفية السياسية فيدرالية طوائفية متداخلة ومتنازعة ذات تطلعات متباينة واعتماد الفيدرالية بمفهومها القانوني نظاماً للبنان يحوّل البلد الى كانتونات مذهبية في كل منها اكثرية معينة تتعايش مع اقليات من مذاهب اخرى، معرّضة على الدوام الى الخلافات والمنازعات والاقتتال فيما بينها حول مختلف القضايا الامر الذي قد يتسبب بمذابح بحق الاقليات او تهجيرهم. ولنا في تجربة نظام القائمقاميتين الذي فرض على لبنان سنة 1842 بعد انهيار الامارة الشهابية ، كحل لوقف الاقتتال المذهبي الذي نشب في لبنان آنذاك ، اصدق دليل في التاريخ على فشل هكذا حل في لبنان ، فقد تحولت المناطق اللبنانية المقسمة الى ساحات صراعات مذهبية واقتتال اودى الى مذابح طائفية استجلبت نظام الوصاية الدولية المسمى “نظام المتصرفية” الذي يرأسه حاكم مسيحي غير لبناني من رعايا الامبراطورية العثمانية ، تسميه سلطة هذه الامبراطورية وتوافق على تسميته الدول الاوروبية الكبرى الخمس آنذاك سنة 1861 وكرّسته سنة 1864.
2- طرح ضم لبنان الى كيانات اخرى في المنطقة
انطلق اصحاب هذا الطرح من اعتبار لبنان كيان سياسي مصطنع وغير قابل للاستمرار كدولة ، ومن الافضل ضمّه الى كيان اكبر او الى محور اوسع في منطقة الشرق الاوسط. هذا الطرح برز على صيغ متعددة، بعضها قومي عربي، او قومي سوري ، وبعضها الاخر على صيغ مذهبية اسلامية سنية او شيعية، وكلها تلغي لبنان الدولة ، وتورطه في مشاكل ونزاعات لا تنتهي في منطقة الشرق الاوسط المتنازع عليها عبر التاريخ ، وتجرّ على الدوام الى تدخلات اقليمية او دولية ذات مطامع متضاربة . وهذا بالطبع لا يشكل حلاً لما يعانيه لبنان ، بل يحوّله الى مجرد بقعة جغرافية على خريطة الشرق الاوسط.
3- طرح الحياد
يتميز هذا الطرح بأنه من حيث المبدأ له القدرة على انقاذ لبنان من ازماته الداخلية ، وحمايته من المخاطر الخارجية ، ولكن طرحه في الظروف الراهنة ، ووسط كل ما يعانيه لبنان من انقسامات داخلية وما يواجهه من مخاطر خارجية ، يجعل التوافق الداخلي عليه مستحيلاً، والقبول الاقليمي والدولي له متعذراً، فنجاحه يفترض التوافق الداخلي والقبول الاقليمي والدولي ، وهذه كلها متعذرة في الظروف الراهنة خاصة مع وجود عدو غاشم محمي دولياً هو العدو الاسرائيلي يتربص كل الشرور والاذى للبنان ولسائر الدول العربية .