في العام 1947، بعد تجربته في النيابة وفي الوزارة ، ثار كمال جنبلاط على الفساد والمحسوبية والزبائنية في السلطة، ودعا الشعب اللبناني الى التمرد الخلاّق والثورة على الاستسلام والخنوع، واعلن:

“بدون تمرد لن نبني لبنان الوطن ، ويجب ان نتكرّس لهذا التمرد، فالتمرد الخلاّق وحده يبعث لبنان دولة واعية ومستقلة .” (من مقال له صدر في جريدة التلغراف في 5/7/1947)

وفي شهر ايلول من العام 1952، قاد كمال جنبلاط كأمين عام للجبهة الاشتراكية الوطنية، التمرد الخلاّق، ودعا المواطنين الى الثورة السلمية ، فتجاوبت مع دعوته الجماهير الشعبية في مختلف المناطق والقطاعات، واستمر الاضراب العام لثلاثة ايام، فاستقالت الحكومة ، واستقال رئيس الجمهورية، وانتصرت الثورة البيضاء.

وفي اعقاب الثورة الحمراء التي قادها سنة 1958 ضد الفساد والانحياز الى الاحلاف، حدد كمال جنبلاط الاسباب التي تستدعي الثورة بقوله في مقال نشرته جريدة الانباء بتاريخ 4/7/1959:

“ان عدم تمكين جميع اللبنانيين على السواء ، في الحصول على وظيفة، وعلى العلم وعلى الترقي الاقتصادي والمعنوي ، وقلنا مراراً ونكرر اليوم ان المساواة والعدل هما اساس بقاء هذا الكيان. واذا شاء هذا العهد الجديد (الشهابي) ان ينجز في حقل الاصلاح الجوهري خطوة ايجابية، تذكر له، فما عليه الا ان يلبي رغبة جماهير اللبنانيين المحرومين حتى الساعة من الحد الادنى لمطالب الحياة الكريمة. فلنلغ الاوطان الطائفية من افكارنا، ولنؤسس لقيام وطناً ودولة مدنية نستطيع فعلاً ان نقول عنها انها وطننا ودولتنا بما لهذه الكلمات من معنى.”

وفي العام 1960، بعد قبوله المشاركة في الحكومة الاصلاحية ، كتب مقالاً نشرته جريدة الانباء في 25/6/1960 اعلن فيه:

“أحلم بدولة مدنية للبنان ، لا وطن قومي مسيحي، ولا وطن قومي اسلامي ، وطبعاً، لا دولة الحاكم الفاطمي بأمر الله. بل دولة تلغي المفاهيم الضيقة من النصوص ومن النفوس بجرأة حاكم صارم ، لا يأبه بأقوال الجهلاء وبنصائح بعض رجال الدين ، وبآراء بعض المنظمات والشخصيات الطائفية ، بل بما يشير عليه ضميره، او روح العدل في نفسه. دولة مستمرة في روح ثورية تدفع دوماً بالتاريخ دفعاً ثابتاً وموجهاً الى الامام ، ويتبدّل بسرعة الطاقة النفسية عند الناس الى اقصاها، من دولة مدنية تنهار امامها آلهة القوة العنصرية، ودولة تتمرّس بروح الشجاعة والفضيلة والتمرد على الظلم، والعزّة والكرامة ، وبالحدب المحب المخلص على الفئات الشعبية الاجتماعية ، اياً كان لونها ومذهبها ومكان سكنها. دولة تتحرر من الطائفية السياسية ، تحمي، وتحرص على الثروات العامة، وتحقق اللامركزية الادارية وتنمية كل المناطق، وتضمن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية ولا سيما حق العمل وحق السكن وحق الاستشفاء وحق التعبير الحر عن الرأي، وحرية الفكر لمواطن حرّ وشعب سعيد.”

بهذا حلم كمال جنبلاط، اعتقاداً منه اننا بهذا فقط نحافظ على لبنان وكيانه، وعلى ديمومته، ولكنه اردف ميضفاً قوله:

“وعندما نفيق طبعاً من هذا الحلم ، نرى ان لبنان على عتبة كارثة اذا لم يؤت الى الحكم بالرجال الذين يستطيعون فعلاً ان يتجرّدوا من انانيتهم ومطامعهم، ويقفزوا فوق المستقبل القريب ، ليقوموا بالاصلاحات الجذرية التي تجعل من لبنان وطناً لا دكاناً على شاطئ البحر ، ويعالجوا الامور بقوة وبايمان وطني عميق، وبحكمة في آن واحد.”

استشهد كمال جنبلاط ، وتبدّد الحلم ، ومازلنا ننتظر قيام “دولة الحلم”.

وعلى ضوء ما يواجهه الشعب الفلسطيني اليوم من حرب ابادة جماعية همجية يشنها عليه جيش العدوان الاسرائيلي العنصري ، وسط انحياز اعمى من معظم قيادات الدول الغربية ، وتخاذل عربي واسلامي من المنظمات الدولية، نتذكر المعلم كمال جنبلاط في مواقفه الجريئة والصادقة من القضية الفلسطينية.

لقد آمن كمال جنبلاط بقدرة الفلسطينيين على النضال في سبيل تحقيق النصر على العدوان الاسرائيلي ، واعادة بناء دولتهم الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وتأمين عودة اللاجئين من الشتات الى ديارهم في فلسطين .

وطوال مرحلة نضاله الوطني والقومي، اعتبر كمال جنبلاط قضية الشعب الفلسطيني قضية وطنية عادلة ، بل قضية انسانية واخلاقية تمسّ جوهر الالتزام السياسي لدى كل انسان. واكثر من ذلك اعتبرها قضيته بالذات ، كإنسان وكمواطن لبناني ينتمي الى العروبة ثقافة وقضية و اجتماعاً. واكتشف باكراً ان لا سبيل للدفاع عن ارض وشعب فلسطين وتمكينه من الاعتماد على نفسه ، الا بالتسلح بالفكر السياسي المناسب للقضية التي يدافع عنها ويناضل لنصرتها، وبالسلاح الفعال العملي ، وبسلاح المال وسلاح القتال المتلازم مع مستلزمات الرد على الغزو الصهيوني لفلسطين .

رأى كمال جنبلاط في العمل الفدائي نموذجاً مهماً لتصعيد النضال العربي وايصاله الى مستوى المجابهة الشعبية المسلحة والفاعلة التي تتحول الى حرب تحرير حقيقية ، وقال:

“انا اؤمن بالعمل الفدائي وجدواه وفاعليته. فهو يرهق جيش العدو الاسرائيلي ويكبّده الخسائر، ويقلق الاسرائيليين ويفسد عليهم نشوة النصر العسكري ، واحلام الطمأنينة في كل ما اغتصبوه. كما يدقّ بعنف الضمير العالمي الذي جعلته الدعاية الصهيونية يظن ان صفحة فلسطين العربية قد طواها التاريخ.”

(المرجع: من مقابلة له مع “فلسطين الثورة” نشرتها جريدة الانباء بتاريخ 15/1/1976)

ونحن اليوم، من خلال مواكبتنا لما يتعرّض له الشعب الفلسطيني من مجازر ابادة متوحشة نتساءل: لو ان قيادات الدول العربية مجتمعة ، وقيادات الشعب الفلسطيني عملوا وفق وحي افكار ومواقف المعلم كمال جنبلاط ، منذ نشوب ازمة فلسطين ونكباتها، فهل ان تاريخ الشرق الاوسط كان قد تغيّر، وكانت عادت فلسطين لأهلها، وأقاموا عليها دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ، وبقيت المقدسات الاسلامية والمسيحية واليهودية فيها مصانة للجميع؟ وحدها الايام والتطورات قد تجيب عن هذا التساؤل!!

عباس خلف

رئيس رابطة اصدقاء كمال جنبلاط

كمال جنبلاط في ذكرى مولده السادسة بعد المئة – د. محمد شيا

ماذا مثّل؟ ماذا اضاف؟ ما الباقي من نهجه وتراثه… نهج للبنانيين والعرب

باختصار شديد، مثّل كمال جنبلاط، وكان المعلّم، عدداً كبيراً من القيم، وهاكم بعضها، على سبيل المثال لا الحصر:

قيم الحرية في معانيها، لا يساوِم عليها، ولا يتخلى عنها، مهما كلفه ذلك،

قيمة التقدّم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بما يساعد شعبنا على السير إلى الأمام،

قيمة الحداثة، بما تعنيه من فكر عقلاني وعلم ونظام بعيداً عن الخرافات والشخصنة وعبادة الشخص أو الفكرة، وبعيداً عن الفوضى،

قيمة الأخلاق، إذ لا شيء يغدو ذا معنى إذا افتقد قيمته الأخلاقية، أو إذا ساوم عليها، وأولها قيمتا الصدق والإخلاص، إضافة إلى رفض مظاهر الانحلال كافة، إلى التعفف، في أقصى ما يحمله من معنى،

قيمة الشجاعة، حين يكون على حق، لا يهاب سلطاناً أو قوة ولو كانت أعتى قوى الأرض،

قيمة المثابرة والعمل المباشر، فكان ينتقد الكثيرين بوصفهم “كلامويين” و”كسالى”، وقد طبّق العمل المباشر على نفسه، شخصياً، في أكثر من مناسبة،

قيمة القوة في الحق، وإعلانه، والتضحية في سبيله؛ مع شجاعة الاعتراف بالخطأ والاعتذار،

قيمتا المثالية والواقعية في آن معاً، فالمثالية المطلوبة يجب أن لا تعني الطوباوية والابتعاد عن الوقع والوقائع؛ كذلك ليست الواقعية التنكر للمثل والقيم الصحيحة والمفيدة:

قيمة النقد الصارم، العميق، لا للآخر فقط، بل لنفسه أيضاً، وبكل قسوة كما رأينا في كتابيه “الممارسة السياسية” و”هذه وصيتي”؛ كتابان لم يُستفد منهما بالقدر الكافي حتى الآن؛

أما ما أضافه “المعلّم” كمال جنبلاط فكثير وهاكم بعضه باختصار أيضاً:

الإنسان أولاً، قبل الجماعة، قبل الطائفة، قبل الحزب، وقبل أي تعيين فكري أو اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي، لا نظرية سياسية تستقيم إن لم تستند إلى قاعدة معرفية، محورها الانتماء للحقيقة، وغايتها طلب الحقيقة، ومن ثمة العدالة والتقدم،

لا يكون الإنسان حراً بمجرد نزع قيوده الخارجية فحسب، وإنما بشعوره الداخلي بحريته، وكرامته، اعتزازه بهما، وعدم استعداده للتنازل عنهما تحت أي ظرف أو قوة قاهرة،

المؤسسات السياسية، ومنها الدولة والحزب، ليست غاية بذاتها، بل بمقدارما تخدم الإنسان وتساعده في تفتح شخصيته وإحساسه بكرامته الإنسانية، إذن هي تقدّس أو تلعن بمقدار ما تقترب أو تبتعد بالإنسان عن الغاية تلك، لا حرية، ولا مواطنة، ولا إنسانية، إن لم تعمّ المدارس القرى والأحياء، وتعم التنمية العدالة الأطراف والفئات الاجتماعية كافة دون تمييز طبقي، هو أصل كل القلاقل الاجتماعية؛

أضاف كمال جنبلاط في ميثاق حزبه، كما في بيانات لاحقة، وللمرة الأولى في الشرق، (منذ ثمانين سنة) فكرة “البيئة” التي تحتضننا ومنها حياتنا وتوازننا، كما أمراضنا وانحرافنا حين نسيء إليها، وقدم نقده للحضارة الغربية التي شوّهت البيئة، باستخدامها العلم والتقنية في غير مصلحة الإنسان، ليس فقط في مستعمراتها، بل في أوروبا نفسها، بل تنبأ بنهاية غير بعيدة للحضارة المادية الاستهلاكية تلك.

أضاف جنبلاط، وللمرة الأولى، في النظرية السياسية العربية، فكرة النُخب، المرشحة لتكون تلقائيا قيادات لشعبها، القيادات الأخلاقية المستعدة للتضحية، لا الزعامات الارسطقراطية، الاشتراكية ليست فقط أنظمة خارجية، بل مطلب داخلي يتضمن التوازن الفردي والاجتماعي والكوني ولا يتعارض مع القناعات الشخصية، ومنها الإيمان الديني، لا بوصفه نظاما مقفلاً وإنما باب شخصي للحقيقة، يحتمل الآخر ويسمح بالتنوع دون كراهية أو إقصاء، نحو عروبة حضارية، وليس تاريخية أو قومية فقط، قوامها اللغة، والتعددية، والديمقراطية وحقوق الإنسان – لا العروبة السجن الكبير!

وأخيراً أضاف محلياً وعالمياً الصداقات الواسعة التي جمعته بأهل الفكر والقادة الروحيين، من نعيمه، إلى الأباء جورج خضر، ميشال حايك، غريغوار حداد، إلى المشايخ الموسوعيين وفي طليعتهم عبد الله العلايلي، رفيقه في تأسيس الحزب الاشتراكي، إلى فضيلة الشيخ أبو محمد جواد، إلى مشايخ أجلاء أخرين في الأزهر الشريف وفي النجف الأشرف؛ كما في روحانيي الهند والتيبت، ولطالما التقينا ببعضهم في ضيافته؛ كمال جنبلاط، في كلمتين، تجربة ُاختراقٍ فلسفي سياسي حديث، متقدم، في بنى اجتماعية وفكرية رجعية؛ وفي أنظمة، هي بمعظمها جاهلة، متخلفة، واستبدادية، مع الأسف؛

وبالمقابل، كان العالم الشرقي والغربي، كما العالم العربي المتقدم، أكثر معرفة بأهمية كمال جنبلاط وثقافته، وتقديراً لأفكاره الإصلاحية، من بعض اللبنانيين الذين لم يروا إليه إلا من خلال هذه الطائفة أو تلك، ووفق مصلحة هذا الزعيم أو ذاك.

كثيرون خارج لبنان قدروا كمال جنبلاط حق قدره، من الاشتراكية الدولية، حيث كان نائباً لرئيسها، إلى الأوساط الروحية في الهند وأوروبا، إلى الأوساط الفكرية في اليونسكو، عرفت كلّها كمال جنبلاط حق المعرفة؛ إلى فلسطين، التي جعل شعبها إسم كمال جنبلاط لميادين ومدارس ومؤسسات، بل جعل شارة الحداد على روحه على سور المسجد الأقصى.

كمال جنبلاط في ذكراه نظلمه حين نحشره في إطار ضيّق، هنا أو هناك، ونطلق قيمته الفكرية والأخلاقية كاملة، حين نرى إليه باعتباره نهجاً يستحثنا على متابعته، ومدرسة في أكثر من باب نتعلم فيها ومنها باستمرار.