من المؤكد على ما يبدو ان حل مشكلة العدوان الاسرائيلي على الاراضي العربية والفلسطينية لم يعد ينفصل الى حد كبير عن القضية الفلسطينية ذاتها ، وبشكل خاص عودة اللاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم وتخويلهم حق ممارسة حقوقهم الشخصية والسياسية .
وما كانت حرب الخامس من حزيران 1967 الا لتبرز هذه الحقيقة ، اي ارتباط قضية السلم والحرب في الشرق العربي بقضية الشعب الفلسطيني، وقد اصبح قادة الدول الكبرى مقتنعين بأن سباق التسلح لن يتوقف ، وان اعمال التحدي لن تبطل ، وان اجواء الحرب لن تتقلص في المنطقة الا اذا وجد حل للمشكلة الفلسطينية بكاملها.
وعندما يقتنع الاسرائيليون بهذه الحقيقة ، وان اسرائيل لا يمكنها ان تعيش وتستمر على افتراض الحروب الظافرة الدائمة بينها وبين العرب ، الامر الذي قد يصبح موضع شك في المستقبل ، فان نصف المشكلة التي نحن نواجهها يتيسر حلها.
ومما يزيد في قناعة الرأي العام العالمي بـأن مشكلة العدوان على الاراضي اصبحت مرتبطة بحل القضية الفلسطينية بأسرها، هو خروج الشعب الفلسطيني من عزلته واصراره على ممارسة حقه المشروع في الدفاع عن ارضه وقضيته، وفي مباشرة العمل الفدائي الذي من المنتظر ان يقوى ويتصاعد في السنين المقبلة ، وان يلفت اليه اكثر فأكثر انظار العالم .
وفي رأينا ، ان الحل الطبيعي والعملي والمنطقي لمشكلة الاستيطان اليهودي على هذا الساحل المجاور للبنان هو العودة الى النطاق التاريخي والتراثي والسياسي لفلسطين في حدودها المعروفة واعادة اللاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم وممتلكاتهم، والى ممارسة حقهم في الحياة السياسية وفي جميع النشاطات الاجتماعية والقومية ، تماماً كما كانت عليه الاوضاع في فلسطين قبل الانتداب وابّان الانتداب ، والغاء الدولة العنصرية اليهودية .
فلا يمكن، في نظرنا ، ايجاد حل نهائي سليم للصراع القائم بين اليهود والفلسطينيين ، بشكل خاص ، والعرب بشكل عام ، وهذا الكون من الاستعمار الصهيوني الاستيطاني العنصري ، الا في نطاق العودة الى الواقع التاريخي الذي كانت تقوم عليه فلسطين العربية . ولكن هذا الحل يلقى الرفض الاسرائيلي الارعن ، حيث لا يدرك حكامها انه من السهل ان تجد اية جماعة من الناس وطناً معنوياً وتراثياً على هذا الشاطئ ، ولكن يصعب ، بل يستحيل عيلها ان تقيم وطناً قومياً ذات طابع عنصري ، ودولة تتناقض قوميتها مع واقع الجوار . هذه هي امثولة التاريخ. ومن لا يعتبر بأمثولة التاريخ لابد لهذا التاريخ ان ينتقم منه شر انتقام. واذا كان اليهود في اسرائيل لا يريدون ان يكون مصيرهم في فلسطين ، على مدى قصير ام طويل ، كمصير الصليبيين الاوروبيين الذين اضطروا الى الانسحاب من هذه المنطقة والعودة الى بلدانهم منهزمين امام واقع التراث والقومية المسيطرة على هذا الجزء من العالم ، فان العقل والشعور السليم يملي عليهم القبول بدولة فلسطينية موحدة وتعددية على الطريقة اللبنانية ، وبأن يتحولوا عن الفكرة الصهيونية التي ترتكز اليها اليوم دولتهم العنصرية .
هذا هو الحل الانساني والعملي الوحيد للمشكلة الفلسطينية ، وهو لصالح العرب واليهود على السواء ، ويقتضي طبعاً مثل هذا الحل بأن توضع بعض الضمانات لقوانين الملكية وسواها من التدابير. ورفض اليهود يعني التقوقع في انفراديتهم والاستمرار في واقع عنصري لابد للتاريخ ان يلفظه كما تلفظ البحار الاجسام الغريبة منها. وهذا يعني ان اسرائيل كدولة بدأت تخسر تأييد الرأي العام العالمي لها. وهي تتدرج حتماً الى منطق الانهيار ، حتى ولو تطاول هذا الانحلال الطبيعي لعدد قليل او كبير من السنين .
ان اصرار حكام اسرائيل على البقاء ضمن القوقعة العنصرية يفرض استمرار وتصاعد العمل الفدائي ، كما استمر العمل العربي ذاته في وجه الاحتلال الصليبي ، وفي النهاية، لابد من حتمية انتصار الشعوب التي تناضل من اجل حقها الطبيعي في تقرير المصير وفي الحياة على ارض قد حرمت منها قسراً.
(المرجع: مقال لكمال جنبلاط نشرته جريدة المحرر بتاريخ 06/02/1969 – ورد في الصفحة 117 من كتابه “فلسطين قضية شعب وتاريخ وطن”)