لبنان في موقعه الجغرافي هو واجهة الشرق الاوسط وشرقي آسيا على البحر الذي يتوسط قارات العالم القديم: اسيا ، اوروبا ، وافريقيا. وهو في تركيبته السكانية المتنوعة قومياً، ودينياً وثقافياً وحضارياً، يمثل نموذجاً للتعايش في مواجهة العصبيات العنصرية ، ويعتبر رسالة ذات ابعاد انسانية حضارية . فهو بلد التعددية القائمة على الاحترام المتبادل لخصوصيات كل مكون بشري فيها. تتلاقى، تتعايش، تتضامن من اجل التطور والتقدم وتنشد الانفتاح والسلام ، ولكنها تتوحد للدفاع عن الكيان والتصدي لكل طامع او معتدي يهدد امنها وسلامة مواطنيها.
لبنان النموذج هذا ، سعى ونجح الى حد كبير ، بعد نيله الاستقلال لان يكون همزة الوصل بين الشرق والغرب ، واستطاع ان يجيد لعب دوره التجاري ، وان يصبح رائداً في مجالات العلم والثقافة والطب والمال والاعمال ، معلماً لبلدان العالم العربي واكثر، ومقصداً سياحياً مميزاً للاستجمام والترفيه وطلب العلم والاستشفاء. وذاع صيت العاصمة بيروت بأنها المدينة التي لا تنام ، والملتقى للرواد من كل الجنسيات.
اما اليوم ، فما وصلت اليه الاوضاع في لبنان ، من شغور رئاسي وفشل حكومي وعجز نيابي وشلل اداري وانهيار مالي ومصرفي واقتصادي، ومعاناة اجتماعية ومعيشية ، وتوترات سياسية بين مكوناته حوّله الى ساحة للصراع الاقليمي وللتنافس الدولي، وملجأ للنازحين بأرقام ضخمة لا قدرة له على تحمّل تبعاتها في كل المجالات وعلى كل المستويات، زادت اوضاعه صعوبة، فارتفت وتيرة الهجرة اللبنانية التي تفرغ البلد من شبابه وقواه العلمية والتقنية وتحوله الى بلد لكبار السن غير المنتجين والمعوزين للرعاية المعيشية والصحية .
ما يحصل في لبنان اليوم يشكل عوامل شديدة الخطورة على كل ما تميز به لبنان. فهو لم يعد وطن الرسالة الانسانية التي على الشعوب الاخرى الاقتداء بها. كما لم يعد همزة الوصل التجارية بعد العزلة عن البلدان المجاورة وتوقف الترانزيت، خاصة بعد التفجير الاجرامي لمرفأ بيروت. ولهذا نلاحظ ان مختلف المشاريع لإحياء طرق المواصلات للتجارة الدولية بين الشرق والغرب التي تتنافس على اقامتها الهيئات الدولية والاقليمية ، تستثني لبنان المأزوم والمعطّل منها لصالح بلدان اخرى مجاورة ، فالمشروع الهندي يعتمد على مرفأ حيفا في فلسطين المحتلة من العدو الاسرائيلي ، والمشروعان الصيني والروسي يعتمدان على مرفأ اللاذقية السوري.
مشكلة لبنان وما آلت اليه الاوضاع المعطلة فيه هذه الايام ، هو هذا الانتظار القاتل في العناية الفائقة الذي طال امده ، وتفاقمت تداعياته ، وعجز ارباب الحكم والسياسة عن ايجاد الحلول في الداخل وممارسة التعطيل المتبادل، وعدم تحمل المسؤولية من جهة ، وتعطيل اقتراحات الحلول التي تسعى الدول المهتمة بلبنان لتسويقها كمخارج للبلد من ازماته.
وبما ان الناس في لبنان هم على دين زعمائهم. كل فئة تنتظر الحل من الزعيم الذي ينطق بإسمها، والزعيم بدوره ينتظر الحل الذي يناسبه من الخارج. اما الشعب، فقد اصابه اليأس على ما يبدو ، فاستسلم لواقعه المر، لا يوقظه من سباته العميق سوى نداء واحد من الزعيم ، هو على العموم لخدمة مصالح الزعيم ، الغاية منه استنفار المؤيدين وايهامهم بأنه لصالح الطائفة او المذهب او الحزب او المحور، بينما هو لحصول الزعيم على ما يريد من قالب جبنة المحاصصات بين الزعماء. لاشيء يحرّك الشعب اللبناني اليوم، رغم كل المعانات التي يكابدها ويعيشها بصمت دون اي اعتراض ، او احتجاج او ثورة ، فقط صوت الزعيم يوقظه ويدفعه الى الشارع ، والتجمع حول الزعيم والصراخ له: “بالروح بالدم نفديك يازعيم”. وهذا بالطبع يريح الزعيم ويكفل له الاستمرار في زعامته حتى ولو حوّل الحق الى باطل والباطل الى حق ، ولا من يسأل ولا من يحاسب . هذا الشعب مسؤول ايضاً عما آلت اليه الاوضاع به وبالوطن. واذا استمرت الحال شعبياً على هذا الاستسلام والسبات والرضوخ للأمر الواقع دون اي اعتراض، الا الاستماتة امام الزعيم، فعلى لبنان السلام وعلى اللبنانيين العيش في الذل والهوان امام جحافل النزوح، او مغادرة لبنان واللجوء الى سائر البلدان ، فلبنان الدور ولبنان الرسالة يكون قد انتهى وتحوّل لبنان الى مجرد تعبير جغرافي لكيان لا يشبه ابداُ لبنان التاريخ.
واما عن الاسباب التي اوصلت الشعب اللبناني الى ما هو عليه اليوم ، فنترك تحليلها الى المعلم كمال جنبلاط الذي تحدث عنها في محاضرة بعنوان “مفهوم الشعب في لبنان” قدمها في دار الندوة اللبنانية بتاريخ 14 كانون الثاني سنة 1963 وقال فيها :
“ان الشعب اللبناني ككل شعب هو : تراث وواقع وتضامن وصيرورة . فالتراث هو المرتكز الاساسي الذي يغذي شعور الوحدة والتضامن والتماسك والارتباط عقلاً وعاطفة ، وهذا الشعور المندمج بالفهم العقلي يزاوجه ويلاحمه في تصوره وتعبيره في ما نسميه الرأي العام، يبرز عندما ترتفع وتيرة النضال في ساعات الحق الكبرى، فينسى هذا الشعب تناقضاته الناجمة عن عصبيات الطائفية السياسية ، وعن مشاعر التبعية الاقطاعية ونزوات الانسياق التزلمي وتحزبات الوجاهة. ويتعرّى من الروح النفعية البورجوازية، ليرتفع فوق مستواه لفترة قصيرة من الزمن.
ان الذهنية المتخاذلة الملتهية التي تتعمم بشكل رهيب وتسهم في نشرها وسائل الاعلام ، واثر كل ذلك في تفشية الرأي العام والهائه ومنعه من الارتفاع الى مستوى وحدة الفكر الاجتماعي والشعور والتصرف الجماعي. وبعد ذلك كيف لا يمكن للرأي العام الذي هو التعبير العملي المباشر لمفهوم الشعب ان ينمو وان يقوى ويسيطر في مثل هذه الاجواء.”
(المرجع: كتاب كمال جنبلاط “العقلانية السياسية ” ص. 28)