“في كل وقفة تفرضها الازمة القائمة في البلد اليوم، في سياق تطور الاوضاع، يبدو للناظر المتبصر ان سياسة التهدئة ومراعاة الخواطر والتعاون مع المتطرفين ، هذه السياسة التي انتجتها السلطة والعهد لم تتوفق في خلق جو وطني سليم في البلد يطمئن اليه المواطنون مهما اختلفت ميولهم السياسية المعتدلة .
ففي كل مرة يتطلب فيها من السلطة ان تأخذ قراراً في قضية هامة ، نرى فوراً الطائفية بشكلها الحاد تطل برأسها من الباب، وتتحرك مختلف عناصر التآمر والايادي الاجنبية والمخابرات المختلفة ومن ينتمي اليها، ونكاد نبصر المال يدفع قطعة قطعة في يد سماسرة السياسة وبعض اصحاب الصحف والشخصيات والفئات التي تعوّدت وأتقنت فن الاثارة والشغب والتفرقة في لبنان.
اننا لسنا قلقين على الاطلاق على مصير ما يحدث اليوم من مناورات واثارات ، ومن مواقف داخل الحكومة وخارجها، او داخل المجلس النيابي وخارجه كأن هناك رواية تشخّص بين من نعتقدهم اخصاماً في الظاهر، يناؤون بعضهم بعضاً، ويدفعون البلاد الى تيارات متناقضة ومتعاكسه في نهجها واهدافها، وهم تربطهم من الوراء الخيوط ذاتها التي يحركها هذا الطرف الخارجي او ذاك، لانهم اعضاء كلفوا، عن ادراك او غير ادراك، في تشخيص الرواية الواحدة ذاتها والمؤلف والمخرج واحد.
ان ما نشاهده اليوم في البلد من تفسخ داخلي ، واستغلال طائفي واصطناع للغيرة على حقوق الطوائف ، انما هو النتيجة الحتمية المنطقية لحكومات النصف بنصف التي كرّست الطائفية السياسية في البلاد، وجمعت المتناقضات الوطنية التي لا يستطيع ان يجمع بينها الشيطان ذاته. هذه السياسة هي المصدر لما نعانيه اليوم من تناحر وقلق ، ولما سنعانيه في المستقبل القريب والبعيد من اخطار جسيمة ، ربما تكون اكبر على مستقبل وكيان هذا الوطن.”
(المرجع: من مقال له نشرته جريدة الانباء بتاريخ 22/4/1960)