16 حزيران 2023
تشير عدة دراسات علمية حديثة إلى أن التلوث البلاستيكي يشكل تهديدا مباشرا على النظم البيئية للمحيطات والغابات وحتى على الأشخاص الذين يعتمدون على الموارد البحرية والزراعية لتأمين الغذاء والدخل المادي.
وأكدت دراسة أجراها البنك الدولي مؤخراً أن الفرد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يطرح في المتوسط أكثر من 6 كيلو غرامات من النفايات البلاستيكية في كل عام. ويعد البحر الأبيض المتوسط أحد المناطق الأكثر تلوثاً بالنفايات البلاستيكية في العالم.
ويرتبط التلوث البلاستيكي وتغير المناخ ارتباطا وثيقا، إذ يمكن أن يغير التلوث البلاستيكي الموائل والعمليات الطبيعية عن طريق الحد من قدرة النظم البيئية على التكيف مع تغير المناخ، كما يمكن للتلوث البلاستيكي التأثير سلبا على سبل عيش الملايين من البشر وعلى فرص إنتاج الغذاء والتمتع بالرفاهية الاجتماعية.
ولا يزال التلوث البلاستيكي يكلف بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حوالي 0.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط كل عام، وفق بيانات صادرة عن الأمم المتحدة.
وتزداد وتيرة التلوث البلاستيكي في المنطقة العربية بشكل كبير، إذ لن يكون بمقدور أي بلد أن يعمل بمعزل عن مواجهة تحد الارتفاع في نسبة التلوث البلاستيكي بمفرده.
أسباب ارتفاع نسب التلوث البلاستيكي في المنطقة العربية
ويرى العديد من الخبراء في المجال البيئي أن تساهل الشركات المصنعة للبلاستيك، وخصوصا الأكياس البلاستيكية، يعد من الأسباب المباشرة في ارتفاع نسبة التلوث البلاستيكي في ظل ضبابية السياسات أو افتقارها للحزم في موضوع التلوث البيئي في العديد من الدول العربية.
كما تعتمد بعض دول المنطقة العربية المنتجة للنفط على صناعة المواد الأولية ومدخلات صناعة البلاستيك كمصدر دخل أساسي في اقتصاداتها.
وتقول الدكتورة نجاة صليبا، الباحثة في الشؤون البيئية وعضو البرلمان اللبناني، لبي بي سي:” إن هناك عدة أسباب لارتفاع نسب التلوث البيئي البلاستيكي في المنطقة العربية، ويعود ذلك لأن الدول في المنطقة العربية لا تهتم كثيرا بالسياسات المتعلقة في استخدام البلاستيك، وخصوصاً استخدام البلاستيك الأحادي أي لمرة واحدة”.
وتضيف صليبا:”كما أن غياب الثقافة البيئية والتوعية بخطورة استخدام البلاستيك على نحو واسع وعدم الاهتمام بتثقيف طلاب المدارس والجامعات يضاعف من ارتفاع نسب التلوث البلاستيكي في الدول العربية”.
ويشير بعض النشطاء في المجال البيئي الى قصور القوانين والسياسات البيئية في عدة دول عربية في مواجهة ارتفاع نسب النفايات البلاستيكية، وذلك بسبب عدم الالتزام بها في المقام الأول، ولكن يرى البعض أن هناك دولا عربية عدة بدأت بتطبيق قوانين لكبح جماح الارتفاع الكبير في طرح النفايات البلاستيكية.
ويقول رئيس اتحاد الجمعيات البيئية المختص في سياسات المناخ في الأردن، عمر شوشان لبي بي سي:” في السنوات الأخيرة، أصبحت مشكلة التلوث البلاستيكي على الأجندة الدولية والإقليمية، وقد اتخذت العديد من الدول العربية إجراءات قانونية للتصدي لهذه المشكلة، مثل حظر الأكياس البلاستيكية ذات الاستخدام الأحادي وفرض رسوم على البلاستيك وتعزيز إعادة التدوير وتشجيع الابتكار والبدائل البلاستيكية القابلة للتحلل”.
وقد بدأت بعض الدول بفرض حظر على تصنيع وتداول واستيراد الأكياس البلاستيكية، مع تفاوت في التطبيق. وقامت بالفعل بعض الدول مثل المغرب بفرض الحظر بشكل كامل تقريبا على استخدام الأكياس البلاستيكية، مع توفير بدائل من أكياس مصنوعة من مواد ورقية.
لكن شوشان يرى أن المشكلة في المنطقة العربية تكمن في “عدم تطبيق القوانين” بسبب ضعف الجهات المختصة فنيا من جهة وضغوطات اقتصادية بسبب وجود أعداد كبيرة من العاملين في القطاعات الصناعية والتجارية.
ويضيف:”ما يزيد المشكلة تعقيدا حالة غياب الوعي الكافي لدى المجتمع العربي في المخاطر الصحية للتلوث البلاستيكي وعدم وجود قاعدة بيانات علمية توضح آثار التلوث البلاستيكي على الصحة العامة والضرر المتحقق على الأنظمة البحرية والبرية”.
مادة البلاستيك والبيئة
وتمثل العناصر البلاستيكية التي تستخدم لمرة واحدة، بما في ذلك الأكواب البلاستيكية وزجاجات المياه وتغليف المواد الغذائية، حوالي 89 في المئة من النفايات البلاستيكية في قاع المحيطات، بحسب أحدث تقرير للأمم المتحدة، وسينتهي الأمر بحوالي 12 مليار طن من النفايات البلاستيكية في مدافن النفايات والبيئة بحلول عام 2050 إذا استمرت أنماط الاستهلاك الحالية وممارسات إدارة النفايات البلاستيكية على حالها.
وخلال حديثها لبي بي سي، تشير الدكتورة نجاة صليبا إلى أن مادة البلاستيك لها إيجابيات كمادة نستخدمها في حياتنا اليومية، لكن المشكلة في “البلاستيك أحادي الاستخدام غير القابل للتدوير والذي يؤثر بشكل مباشر على الحياة البحرية والتربة”.
وتواجه الأنظمة البيئية سواء كانت التربة، أو المياه، أو الهواء أضرار كثيرة بسبب تأثير النفايات البلاستيكية على البيئة، فهذا النوع من النفايات بحسب العلماء لا يتحلل إلا بعد مرور آلاف السنين، ما يسبب أضرارا على البيئة والتنوع البيولوجي فيها.
ويقول أكيم شتاينر، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي:”إن القضاء على التلوث البلاستيكي بجميع أشكاله هو أمر أساسي لحماية صحة الإنسان والكوكب وحماية التنمية المستدامة”.
كيف نخفف من ارتفاع نسب التلوث البلاستيكي في العالم العربي؟
وتؤكد منظمات عالمية عدة على رأسها الأمم المتحدة على أن الشراكات ضرورية لمواجهة ارتفاع معدل طرح النفايات البلاستيكية المعقدة والتقليل من التسلل البلاستيكي إلى النظم البيئية البحرية والبرية من خلال تعزيز السياسات والتغييرات السلوكية التي تهدف إلى تطوير أنظمة إدارة النفايات البلاستيكية السليمة، والحد من التلوث البلاستيكي العام.
فقد نجح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على سبيل المثال في الأردن بتنفيذ تدابير الاستدامة، مثل تقديم أول برنامج لإعادة تدوير البلاستيك والزجاج والورق والنفايات الإلكترونية لحماية البيئة من خلال تنفيذ مشروع “الأكياس الخضراء” لتقليل استخدام البلاستيك.
ويوضح عمر شوشان رئيس اتحاد الجمعيات البيئية المختص في سياسات المناخ في الأردن، سبل التخفيف من حدة ارتفاع التلوث البلاستيكي، قائلا:”يجب تكاتف الجهود على مستوى المجلس الوزاري العربي في وضع سياسة إقليمية شاملة للحد من التلوث البلاستيكي وتأسيس صندوق لدعم الابتكار والتطور الصناعي في انتاج الحلول البديلة الأكثر استدامة وصداقة للبيئة”.
جهود أممية للحد من التلوث البلاستيكي
لاتزال الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تتفاوض على اتفاقية دولية ملزمة قانونا بشأن البلاستيك، تتناول دورة الحياة الكاملة للبلاستيك، من التصميم إلى الإنتاج وحتى التخلص منه.
وفي 2 مارس آذار 2022، صوتت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في الدورة الخامسة المستأنفة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة (UNEA-5.2) لإنشاء لجنة تفاوض حكومية دولية مع تفويضها بالمضي قدما في اتفاق دولي ملزم قانونا بشأن البلاستيك.
وتبقى مشكلة التلوث البلاستيكي والحد منها سبباً رئيسيا في انقسام دول العالم حول معاهدة لإنهاء تلوث البلاستيك من جذوره، بسبب رؤية بعض الدول أن وجود معاهدة تركز على نفايات البلاستيك يجب أن تكون مبنية على نهج يبدأ من القاعدة إلى القمة وعلى أساس الظروف الوطنية لكل دولة.
ويرى خبراء البيئة والنشطاء في مجال التغير المناخي أن نهج بعض الدول في التعامل مع مشكلة التلوث البلاستيكي وصناعة البلاستيك والتخلص من النفايات البلاستيكية سيضعف أي معاهدة عالمية تسعى لإنقاذ الكوكب من أضرار خطيرة تحدق به وبتنوعه البيولوجي ما سينعكس على صحة الإنسان في نهاية المطاف.
• الذكاء الاصطناعي: استخدمته اسرائيل في الاغتيالات.. والمقاومة في ترفيع فعالية صواريخها – د. عصام نعمان
يعيش الجنس البشري في كونٍ طبيعي، فيه الإنسان والحيوان والنبات والتراب والحجر والماء والريح والنور والظلمة وعدد لا يُحصى من الأشياء والظاهرات المنظورة وغير المنظورة.
في هذا الكون الطبيعيّ تتوالد وتتعدّد ظاهرات وأجسام وأشياء ذات تركيبات وسمات وسلوكيات مختلفة ومتفاوتة في حجومها واستعمالاتها وتأثيراتها. لعلّ أشدّ الظاهرات إثارةً ومدعاةً للاهتمام والاستغراب الذكاء الاصطناعي الذي يؤشّر بدوره إلى تظهير كونٍ آخر بموازاة الكون الطبيعيّ يمكن تسميته الكون الاصطناعيّ.
المقصود بالكون الاصطناعي وجود عقلي ومادي مترع بظاهرات وأجسام وأشياء ليست وليدة الذكاء الطبيعيّ النابع من الجنس البشريّ بل بفعل الذكاء الاصطناعي الذي بات حقيقة ملموسة ساطعة بكل المعايير.
ظاهراتٌ وأجسام وأشياء الذكاء الاصطناعي باتت متوافرة في شتى الحقول والنشاطات والموضوعات والمعاملات. فقد كشف عددٌ من الخبراء في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة توقعاتهم بشأن كيف سيتمكّن الذكاء الاصطناعي من تغيير حياتنا بحلول سنة 2030 بعدما صار قادراً على حلّ مشاكل مستعصية والإجابة على كل الأسئلة في مختلف المجالات.
صحيفة “ديلي ميل” البريطانية أوردت أمثلة قدّمها أولئك الخبراء في هذا السبيل:
إنتاج أفلام كاملة في يوم واحد.
معلّم افتراضيّ شخصيّ يقدّم للأطفال دروساً في شتى المجالات.
زيادة قيمة الاقتصاد العالميّ بمقدار 15,7 تريليون دولار أميركيّ.
حلّ أزمة الطاقة تكنولوجياً بحلول سنة 2030.
إيصال الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الذكاء البشري بحلول سنة 2030.
غير أنّ أشهر ظاهرات الذكاء الاصطناعي واحدةٌ قاسية تُنذر بإبادة الجنس البشريّ وأخرى طريفة تشي بالحب. ذلك أنّ عالِم الكومبيوتر الأميركي ايليزر يودكوفسكي حذّر من توليف تكنولوجيا قد تؤدّي الى انقراض الجنس البشري بحلول سنة 2030. قال: “إذا قام شخص ما بتوليف ذكاء اصطناعي قوي للغاية في الظروف الحالية، فإني أتوقع ان ينقرض كل الجنس البشري وجميع الكائنات الحيّة على وجه الأرض بعد وقت قصير. لم يشرح العالِم المتوجّس كيف سيتمّ ذلك، ربما كي لا يساعد شخصاً مجنوناً على إبادة الجنس البشري!”.
أما الظاهرة الطريفة فقد تجلّت في سلسلة من الصور التي تمّ تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي منذ أيام تُظهر الرئيس التنفيذي لشركة “تسلا”، ايلون ماسك، برفقة مجموعة من الروبوتات الإناث (robot إنسان آليّ) الأمر الذي أثار الجدل حول إقدام الملياردير الشهير على الوقوع بحب إحدى الروبوتات. هذه الظاهرة حملت ديفيد يارفن، رئيس إحدى شركات الإنشاءات، على التساؤل: “إيلون ماسك يُعلن عن زوجة المستقبل، فمن تراها تكون؟”.
الى ذلك، ثمة أسئلة أخرى طريفة تطرحها ظاهرة الذكاء الاصطناعي واستخدماته وتداعياته:
ـ ماذا لو تطوّرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي الى درجة تصنيع جنس آلي موازٍ للجنس البشري ومتصارعٍ معه؟
ـ أيّةُ ايديولوجيات وسياسات سيعتمدها الجنس الآلي في صراعه مع الجنس البشريّ؟
ـ هل تندلع حرب بين الجنسين البشري والآلي يستخدمان فيها أسلحة متطوّرة ينطوي جميعها على تطبيقات من الذكاء الطبيعي والاصطناعي؟
ـ لمن ستكون الغلبة في الصراع: للذكاء الطبيعيّ أم للذكاء الاصطناعيّ؟
كل هذه التساؤلات والاحتمالات شبه الخياليّة لا تهمّنا في عالم العرب. ما يهمّنا، بالدرجة الأولى، مسألة استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب، خصوصاً في الصراع مع العدو الصهيوني بعدما تبدّى ذلك في حالتين: الأولى، نجاح العدو في اغتيال ثلاثة من كبار قادة حركة الجهاد الإسلامي عشيةَ عدوانه الأخير على غزة. الثانية، المناورة اللافتة التي نفّذتها قوات المقاومة (حزب الله) عشية الاحتفالات بعيد المقاومة والتحرير، يوم الخميس الماضي.
كان لافتاً ما نسبته، صدقاً أو كذباً، الصحافة الإسرائيلية منذ أيام الى قيادة الجيش الإسرائيلي عن رفعها تقريراً الى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في العدوان الأخير، لا سيما في “كيفية العثور على القادة المطلوبين واغتيالهم باستخدام أجهزة الاستشعار ومعالجة المعلومات عنهم بواسطته، وعن كيفية جمع المعلومات الاستخبارية المرئية والمسموعة (التنصت) والبصمات الإلكترونية، وكيفية استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تحلل البيانات”. وبحسب تقارير الصحافة الإسرائيلية، أبدى نتنياهو اغتباطه لأن جيشه “يُحقق فجوة كبيرة بينه وبين الأعداء”.
اغتباطُ نتنياهو ردّ عليه مباشرةً رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله السيد هاشم صفي الدين في ختام المناورة الحيّة التي نفذتها مؤخراً قوات المقاومة: “إذا كنتم فكّرتم في توسيع عدوانكم للنيل من المعادلات التي صنعناها بدمائنا وقدرتنا فسنكون جاهزين لنمطركم بصواريخنا الدقيقة وكلّ أسلحتنا، وستشهدون أياماً سوداء لم تروا لها مثيلاً، وعلى العدو أن يعلم جيداً أننا نقصد ما نقول”.
المسؤولون الصهاينة حرصوا على عدم كشف استخدامهم الذكاء الاصطناعي الى ما بعد الانتهاء من عدوانهم على غزة. من المحتمل جداً أن يكون قادة المقاومة في لبنان قد حرصوا أيضاً على عدم عرض صواريخهم الدقيقة وغيرها من القدرات العسكرية المتطوّرة في المناورة بقصد عدم تمكين العدو من استخلاص فكرةٍ أو تقدير لفعاليتها، مرجئين الأمر الى ما بعد الردّ على أيّ عدوان صهيوني مقبل.
الخلاصة، ثمة احتمال راجح، لدى خبراء استراتيجيين في لبنان، بأن المقاومة اكتنهت وربما استخدمت بشكل او بآخر أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي في ترفيع فعالية صواريخها، لا سيما أنّ فك أسراره ليس عصيّاً على العلماء في بلاد العرب والعجم.
يبقى سؤال: كيف سيكون حال الكون الطبيعيّ والآخر الاصطناعيّ خلال الصراع المقبل بين الجنس البشري والجنس الآلي؟