ان القصد من الاجتماع البشري، ومن الاقتصاد، ومن الصناعة ، ومن الثقافة، ومن الحضارة كلها هو توفير لون من الوان اطمئنان الانسان الفرد وسعادته.
وينسى او يتناسى معظمنا، انه عندما يبرز الانسان التاريخي وينمو فيه الوعي لمحيطه ولذاته ولقيم المجتمع والحياة ، يصبح الانسان اكثر فأكثر محور هذا التطور الناشئ وغايته ، لا البنى المادية للمجتمع التي يجب ان تسخّر جميعها لصالح هذا الانسان الحقيقي في الانسان . وهنا يبرز تناقضان :
1- التناقض بين الشخص والدولة
ومن مظاهر التضاد الفاعل التي تلعب دورها في تكوين السياسة الخارجية والداخلية لدولة ما ، التناقض الذي يقوم حكماً بين الشخص او الجماعة ، الحاكم والحاكمة ، وبين الدولة كجهاز اداري وبيروقراطي وسياسي بشري له تكوينه العضوي المحدد بالتقليد او الروتين، وبنتاج شتى الوان المشاعر والارادات الفردية التي يكوّن مجموعها تأليف من الرغبة والصيرورة العامة.. واذا اضفنا الى هذا الثقل المعنوي والمادي والتوجه المحدد سابقاً مدى تأثير القوى العسكرية ايضاً بمجموعها وقيادتها في قراءات التنفيذ ايا كان النظام – نصل الى حصيلة من الجذب والنفور، والتحرك والجمود المقابل، تعرّف اليها كل رجل دولة.
2- التناقض بين المجتمع والدولة
وهكذا ايضاً، التناقض القائم بين الحكم وبين المجتمع ككل، والدولة ليست في النهاية الا انعكاساً الى حد كبير للاتجاهات المتحكمة بالمجتمع.
هل يدرك رجال الدولة ، كم هي صعبة وشاقة محاولات التحول بالمجتمع من طور الى طور ، ومن حالة سابقة الى حال مختلف لاحق،! فالمجتمع هو ايضاً تركيب عضوي يتغذى في توجهاته واراداته الجماعية ونزعاته، بما يشمله الماضي من تراث وتاريخ وتقليد ، بالانضياف الى مسار التحرك والفعل والانفعال الصادر من الحاضر ، وينبعث في كل ذلك من علاقات التناقض والانجذاب الجغرافية والسياسية التي تؤلف ثوابت سياسية تاريخية ومصيرية يصعب التغلب عليها وتعديلها.
(المرجع: كتابه “البيانات الرئاسية – كلمات للتاريخ” ص. 381)