ان الديموقراطية التي نريدها للبنان لا تتحقق الا في وضع سياسي يقوم على التوافق والانسجام بين الحرية والوعي والجماعة. وهذا الوضع يتحدد بما يلي: لا كلية ولا فوضوية بل شورى ديموقراطية عليها واجب الاشراف التوجيهي غير المتحكم ولا المستأثر في كل النشاط الشعبي العملي.
ويتحقق هذا الوضع المعتدل بأن تقوم الدولة على تنظيم الجماعة وفقاً لهيكلها الطبيعي ، اي باحترام التكتلات العفوية للناس حول مصلحتهم او نشاطهم بهدف نظمهم في الدولة ، فلا تكون هذه الدولة سوى تمثيل للجماعة بواسطة المؤسسات الكفيلة بتحقيق غاياتها الجماعية ، وتكون الحكومة تاج البناء الذي انبثق عن الجماعة المنظمة لهذا التنظيم. وواضح ان في احترام هذه التكتلات العفوية وتأمين تمثيلها في المجالس احدى الوسائل الاساسية التي تؤمّن حرية الفرد وخير الجماعة في آن.
وهكذا دولة يجب ان ترتكز على سنّ دستور يتفق مع هذه المتطلبات، ومع مقتضيات الزمان والمكان ، ويؤمّن الحقوق والواجبات الاساسية ويرتكز على :
1- تفريق السلطات، اي تحديد صلاحياتها وفصلها بعضها عن بعض بما يحول دون استخدامها للتحكم بمصير الفرد والانتقاص من حقوقه، وذلك وفقاً للمبدأ التقليدي الذي يهدف الى ان تتعاكس السلطة مع السلطة.
2- تقوية السلطة التنفيذية، ضماناً لفعاليتها القصوى وسرعة اتخاذ القرارات والقدرة على تنفيذها، وتفادياً لضعفها وتخاذلها في النظام البرلماني. فالديموقراطية الصحيحة هي سلطة قوية مرتبطة بالشعب.
3- تأمين دستورية القوانين بواسطة القضاء المستقل كتدبير عكسي لتقوية السلطة التنفيذية .
4- مساواة المرأة والرجل في الحقوق المدنية والسياسية
5- تأمين تمثيل النخبة والهيئات المهنية والاقتصادية والمعنوية تمثيلاً موافقاً في المجالس.
6- اصلاح اساسي للقضاء يجعل منه اقدس ملاذ للحقوق والحريات الشخصية: مسؤولية ، كفاءة علمية ، سرعة انجاز، تحرر من التأثير السياسي ومن العوز المادي، تنظيم قضائي مرن تيسيراً على المتداعين.
(المرجع: كتابه “في رحاب التقدمية” ص. 86 – 89)