وصف اعلام المقاومة الرد على العدوان الإسرائيلي على غزة، الشهر الفائت، إثر اغتياله قادة من الجهاد الإسلامي، بعد 36 ساعة بالـ “صمت الإستراتيجي” الذي أربك العدو. فوجهت المقاومة ضربة صاروخية أولى على عسقلان معلنة بدء عملية الرد بمعركة اطلقت عليها عنوان “ثأر الأحرار”. ثم تلاها باليوم التالي ضربة صاروخية متطورة ومركزة على مستوطنة “روحوفوت” جنوب تل تل أبيب ادت لمقتل واصابة عدد من المستوطنين الصهاينة.
وفي اليوم الرابع وأثناء المفاوضات والحديث عن طرح اتفاق هدنة من قبل الوسطاء لمدة 24 ساعة، كان الرد على ذلك بإطلاق صواريخ على المستوطنات المحيطة بالقدس، وهو رد في اشارة الى “أننا لا زلنا في بداية المعركة، وان من يتحدث عن الانسانية هم من داسوا عليها بصواريخهم الغادرة بقتلهم للنساء والاطفال، بالإضافة لما تحمله هذه الضربة من مؤشرات سياسية لرمزية هذه المدينة والمستوطنات”.
إن هذه الضربات التي فاجأت العدو وما بينها من قصف لغلاف غزة من المستوطنات والمعابر التي تدك يومياً بقذائف الهاون والصواريخ قصيرة المدى، لدليل واضح ان المقاومة تجهزت لمعركة استنزاف للعدو، ما ينبىء بتصاعد قدرات المقاومة عسكرياً رغم الحصار المطبق على غزة الصامدة.
سنعرض في هذا البحث الى تداعيات العدوان على غزة، نجاحات المقاومة، والتحليل الإسرائيلي على المستويين العسكري والسياسي، ومدى تطبيق شعار “وحدة لساحات” ومعظلة السلطة الفلسطينية أمام الضغوط الأميركية العربية، لنعالج في الختام الإرباك الصهيوني من نجاحات طهران في تخصيب اليورانيوم والرد المحتمل.
1- العدوان والرد عليه وفق اعلام المقاومة
1469 صاروخًا أطلقتها سرايا القدس والمقاومة الفلسطينية أبقت الراية مرفوعة والسلاح بيد المجاهدين في الميدان حتى اللحظة الأخيرة لإعلان “اتفاق” وقف إطلاق النار. فخمسة أيام من معركة “ثأر الأحرار” تصديًا لعدوان الاحتلال على القطاع واستهداف حركة الجهاد الاسلامي التي اغتال الاحتلال 6 من كبار قادتها، حقّقت فيها المقاومة الفلسطينية منجزات على أكثر من صعيد.
مفاجآت الميدان: وضعت المقاومة الفلسطينية كلّ المدن المحتلّة تحت مرمى صواريخها، وتدرّجت في توسيع مدياتها التي وصلت الى “تل أبيب”، وما يسمى “الوسط” في الداخل المحتل، وصولًأ نحو المدن البعيدة أيضًا جنوب الأراضي المحتلة في النقب. على الرغم من أنها ليس المرة الأاولى التي تتمكّن فيها المقاومة الفلسطينية وسرايا القدس تحديدًا من قصف “تل أبيب” (قصفت “تل أبيب” لأوّل مرّة عام 2012، ردًا على اغتيال القائد الكبير في كتائب القسّام أحمد الجعبري) الا أنّه في “ثأر الأحرار”، كشفت المقاومة الفلسطينية عن تطور ملحوظ في صواريخها وتكتيكاتها، ما مكّن صاروخ “براق – 85” من تجاوز ليست فقط القبة الحديدية إنما أيضًا منظومة “مقلاع داوود” التي اسماها الاحتلال بـ “العصا السحرية” للتخلص من الصواريخ. سقط “براق – 85” في “روحوفوت” جنوبي “تل أبيب”، تاركًا “لوحة” للتاريخ من دمارٍ واستهداف مبنى مؤلف من 4 طوابق، وإيقاع قتلى وإصابات في صفوف المستوطنين.
مع اضطرار تفعيل منظومة “مقلاع داوود”، أثبتت هذه المعركة دون شك، أن تكتكيات المقاومة، وخاصة في تكثيف رشقاتها الصاروخية، اذ كانت تطلق حوالي الـ 100 صاروخ دفعة واحدة، أنّ القبة الحديدية التي أصابها الارباك لم تعد طريقة ناجعة من أجل تحقيق “أمن” المستوطنات والتعامل مع صواريخ المقاومة، لاسيما الثقيلة منها. كما حافظت سرايا القجس على وتيرة قصف عالية أكّدت ترميمها لمخزونها الصاروخي بعد 9 أشهر فقط على خضوضها لمعركة “وحدة الساحات” في آب / اغسطس 2022.
لم تكتفِ المقاومة بذلك، بل وسعّت المواجهة وأدخلت القدس المحتلّة الى المعادلة، مطلقة الصواريخ نحو المستزطنات هناك. وكانت “القدس أمام عيوننا وما يجري هناك ليس بمعزل عن غزة”، وفق ما أكّدت حركة الجهاد الاسلامي التي أرادت أن توصل رسالة الى الاحتلال الذي أمعن بعدوانه على المسجد الأقصى والمصلين والمرابطين فيه خلال شهر رمضان الماضي، ويتحضّر لتمرير “مسيرة الأعلام” قريبًا. وقد شكلّت قبل سنتين الصواريخ التي وصلت الى القدس بداية معركة “سيف القدس”.
القصف مقابل القصف.. “لا انجازات لاسرائيل”: في نهاية ” جولةٍ أخرى في الصراعِ مع المشروعِ الصهيونيِّ”، سحبت المقاومة الفلسطينية من رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو صورة “الانجاز” أو “ترميم الردع” أمام جمهوره، واحتفظت بتوقيت بدأ المعركة – بعد “صمت قاتل” دام أكثر من 24 ساعة على اغتيال القادة الثلاث – وتوقيت انتهائها مع وجود صواريخها في سماء فلسطين المحتلّة الساعة العاشرة من تاريخ 13 أيار / مايو 2023، الى جانب مفوضات كرّست “القصف مقابل القصف”.
2- ثأر الأحرار وعمليات الأيام الخمسة وفق إعلام العدو
أطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية 1469 قذائف صاروخية تجاه البلدات الإسرائيلية في الجنوب ومستوطنات “غلاف غزة”، وذلك ردا على العدوان الأخير على قطاع غزة. وبحسب معطيات الجيش الإسرائيلي، فإن 1139 قذيفة صاروخية اجتازت السياج الأمني، وتم وفق سياسة الاعتراض المتبعة من قبل المنظومات الدفاعية والقبة الحديدية باعتراض 439 قذيفة صاروخية من بينهم صاروخين اعترضتهما منظومة “مقلاع داوود”، أحدهما في تل أبيب والآخر في جبال القدس.
وزعم جيش العدو أن 291 قذيفة صاروخية سقطت وانفجرت داخل قطاع غزة، فيما سقطت 39 قذيفة صاروخية في البحر. وأدى إطلاق القذائف الصاروخية من القطاع إلى مقتل إسرائيلية 80 عاما، وذلك عقب قذيفة سقط بشكل مباشر على شقة سكنية في مدينة روحوفوت جنوب تل أبيب.
وذكرت جمعيات الإسعاف الإسرائيلية أن طواقمها قدمت العلاج إلى 77 إسرائيليا، من بينهم 32 شخصا أصيبوا بجروح جسدية، بينهم 9 بفعل شظايا القذائف، و23 بفعل سقوطهم خلال محاولتهم الوصول للمناطق المحمية والملاجئ، و45 شخصا أصيبوا بالهلع.
أما بما يتعلق في حصيلة الغارات الجوية على غزة، قال جيش الاحتلال في بيانه إنه استهدف 422 هدفا وموقعا للمقاومة في قطاع غزة، منها مراكز قيادة وتحكم وسيطرة ومواقع إنتاج ذخيرة وأسلحة وتصنيعها، ومواقع إطلاق القذائف الصاروخية والهاون، إلى جانب اغتيال 6 من قيادات الجهاد الإسلامي.
3- تحليلات إسرائيلية: عدوان قادم على غزة مسألة وقت وحسب
يرى غالبية الإسرائيليين أن القادة السياسيين والعسكريين قدموا أداء حسنا خلال العدوان على غزة، وفي مقدمتهم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هليفي، غير أن الإسرائيليين يرون أن العدوان لم يغيّر من معادلة الردع، وأن المواجهة المقبلة هي مسألة وقت. وحول أداء نتنياهو ذكر أن 63% من الإسرائيليين إنه كان جيدا خلال العدوان.
لكن محللين إسرائيليين توافقوا على أنه: رغم تفوق إسرائيل العسكري لكنها لم تتمكن من إملاء إستراتيجية إنهاء القتال؛ نجاح الجهاد بإطالة المعركة، وفيما “يتواجد نصف الدولة في الملاجئ، هو إنجاز آخر في ترسيخ قدرة الجهاد على الصمود”. وأن إسرائيل لم تحقق أهدافا هامة في عدوانها، باستثناء اغتيال قياديين عسكريين في الجهاد، وأن عدوانا آخر على غزة هو مسألة وقت ليس أكثر.
وأشار المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل، إلى أنه طوال نهاية الأسبوع الماضي علقت إسرائيل أملها على أن تنجح المخابرات المصرية بتحقيق وقف إطلاق نار يبقى صامدا بعد دخوله إلى حيز التنفيذ. “وبدا، ليس لأول مرة، أنه أسهل على الحكومة الإسرائيلية أن تبدأ عملية عسكرية في غزة من إنهائها”. فبرغم تفوقها العسكري الواضح والضرر المحدود الذي ألحقته بتنظيم الجهاد، واجهت صعوبة في إملاء إستراتيجية خروج من العملية العسكرية. فقد كان واضحا لإسرائيل أنها لن تربح الكثير من استمرار العملية العسكرية، وأنه كلما طالت سيكون من الصعب رصد واستهداف أهداف في غزة. كما أن استهداف مدنيين فلسطينيين بالخطأ سيزداد وحسب. وهذا هو سبب توصية الجيش الإسرائيلي والشاباك، منذ الخميس الماضي، بالسعي إلى وقف إطلاق النار”.
وبحسب المحلل هرئيل، فإن “استمرار المعركة كان ينطوي على خطر على صناع القرار في المستوى السياسي الإسرائيلي، بأن استمرار إطلاق القذائف الصاروخية على الجبهة الداخلية الإسرائيلية يمكن أن يدفع الجمهور إلى فقدان صبره وتراجع تأييده لخطوات الحكومة”. ولفت هرئيل إلى أن “مفتاح وقف إطلاق النار لم يكن بالضرورة بأيدي إسرائيل. وربما استخلصت الجهاد دروسا من جولة القتال السابقة، في آب من العام الماضي، وسعت إلى مواصلة المواجهة لفترة أطول. وحتى بدون إلحاق خسائر كثيرة في الجانب الإسرائيلي، فإن مجرد القدرة على مواصلة الصمود في مواجهة مع الجيش الإسرائيلي يمكن اعتبارها إنجازا بحد ذاته. وإسرائيل، رغم نجاحها العسكري الأولي، كانت حبيسة في فخ يُصعّب عليها إنهاء العملية العسكرية، وأوضح بشكل كبير عدم وجود مخرج للوضع الإستراتيجي الشامل في غزة”.
…وعلى المستوى السياسي
اعتبر رئيس الوزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، أن هدف العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، كان تغيير توازن الردع بين إسرائيل وحركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، “على غرار التغيير في توازن الردع في أعقاب عملية “حارس الأسوار” مقابل حماس قبل سنتين – في إشارة إلى العدوان على غزة في أيار من العام 2021.
وتابع أنه “منذ حارس الأسوار لم تطلق حماس أي قذيفة صاروخية باتجاه أراضينا. وعملية حارس الأسوار العسكرية وجهت الضربة الأشد لحماس في تاريخها وتسببت بتغيير معادلة الردع، وهذا مستمر منذ سنتين”.
لكن المحلل العسكري في هيئة البث العامة الإسرائيلية “كان”، روعي شارون ورأى أن “جميع الإنجازات العسكرية الإسرائيلية الأولية بقيت في المستوى التكتيكي. ومنذ عملية بزوغ الفجر العسكرية (العدوان على غزة في آب الماضي) مرّ تسعة أشهر. والهدوء الذي حققته تلك العملية صمد أقل من نصف سنة. والفترات بين جولة قتالية وأخرى آخذة بالتقلص، والعد التراجعي لمواجهة مقبلة بدأ الآن فعليا”. وبحسبه، فإن حماس، “الحركة القوية الحاكمة في القطاع تواصل تعزيز قوتها وبناء قدرات عسكرية، لاستخدامها ضد إسرائيل في المستقبل.
من جانبه، قارن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق، غيورا آيلاند، في “يديعوت أحرونوت”، بين نوعين من العمليات العسكرية الإسرائيلية. النوع الأول هدفها محدود والحفاظ على الوضع القائم، والنوع الثاني هو تغيير الوضع من أساسه. والعدوان الأخير على غزة هو من النوع الأول.
واعتبر آيلاند أن “الواقع هو أن غزة تحولت منذ فترة إلى دولة مستقلة فعليا، فيما حكومة حماس في حالة توتر بين مصلحتين. الأولى ضمان حياة طبيعية لسكان غزة، والمصلحة الثانية هي الحفاظ على المقاومة ضد إسرائيل وأن تمتلك قيادة المقاومين الفلسطينيين في الضفة الغربية أيضا. ولدى إسرائيل القدرة على جعل حماس تفضل المصلحة الأولى، وكلما وسّعنا ’الجزرات الاقتصادية’ في فترات الهدوء، سننجح أكثر”.
4- دولة إسرائيل ليست قريبة من حرب
في جهاز الأمن يسود الإعتقاد أن للعدوان الأخير على غزة “أهمية للرسالة التي تُنقل إلى حماس وحزب الله وإيران أيضا، وبموجبها فإنه حتى عندما تكون هناك خلافات شديدة في المجتمع الإسرائيلي، وتتسرب إلى الجيش الإسرائيلي، فإنه في ساعة الحقيقة، عندما يتعين اتخاذ قرارات، يعمل الجيش الإسرائيلي بشكل حاد وقوي مقابل تهديدات الإرهاب”، بحسب صحيفة يديعوت أحرونوت.
واعتقاد آخر في جهاز الأمن هو أن “دولة إسرائيل ليست قريبة من حرب”. وكانت التوقعات في إسرائيل خلال العدوان الأخير على غزة أنه في حال دخول حماس المعركة، من الممكن حدوث تصعيد في جبهات إسرائيلية أخرى، إضافة إلى قطاع غزة، مثل إطلاق قذائف صاروخية من لبنان باتجاه إسرائيل أو إطلاق طائرات مسيرة. ورجحت تقديرات الجيش الإسرائيلي، بحسب الصحيفة، أنه حتى لو تطورت مواجهة شديدة بين إسرائيل وحماس، فإن حزب الله لم يكن سينضم إلى معركة ضد إسرائيل.
5- معضلة السلطة الفلسطينية:
أين السلطة الفلسطينية مما يجري؟ لا تريد السلطة الفلسطينية القضاء على الحالة الجماهيرية الشبابية والهبات الجديدة من أجل القضاء على مقاومة العدو الاسرائيلي، بل بسبب خشيتها القضاء على السلطة، لاسيما وأنها تعاني من العزلة السياسية العربية والدولية، ولذلك أصبحت أكثر تأثرا بالضغوط التي مورست عليها من قبل الولايات المتحدة الاميركية، وإن قامت بهذا الدور ستتواجه مع الشعب، وهذا ما جعلها ترتمي مجددا بالحضن الأميركي والوعود الأميركية الفارغة، التي تقوم على ركيزة التطبيع وركيزة الاستقرار وضبط الاوضاع الامنية كي لا تتورط بحروب أخرى بالمنطقة، إضافة للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، والتصدي للإتفاقيات بين الشرق، مثل الاتفاق السعودي – الايراني في بكين، لما تشكل اسرائيل جزء أساسي من الحلف الاطلسي في الشرق الاوسط والاقليم.
ولذلك، تهتم الادارة الاميركية بخفض التوتر وما يسمى بالعنف الفلسطيني – الاسرائيلي، لكن أخطر ما في اجتماع العقبة – الذي عقد برعاية أميركية منذ شهرين – هو تحويل الاجتماع من بعد سياسي الى بعد امني، لتتحكم اسرائيل بالامن، ورغم إتخاذ اللجنة التنفيذية قرار تعليق التنسيق الامني مع 13 بندا آخر، منها وقف المستوطنات، وقف التنكيل بالاسرى، تصعيد المقاومة الشعبية التي تحد من الاعتداءات الاسرائيلية، والتي لا يمكن التحكم بها من الجانب الاسرائيلي، من خلال تشكيل قيادة فلسطينية موحدة تضم جميع الناشطين والفصائل الفلسطينية، عبر حوار وطني شامل، لا يتم الحديث به عن المصالح الفردية التي لا تهم الشعب الفلسطيني في الوقت الحالي كالمحاصصة، والمشاركة في الحكم… بهدف ترتيب البيت الداخلي وتنفيذ قرارات المجلس الوطني والمركزي الفلسطيني والعمل على تفعيل المقاومة الشعبية بكافة أشكالها على المستوى المحلي، العربي، والدولي لمواجهة الاستعمار الاسرائيلي، إلى جانب نظامه الفصل العنصري، ومحاكمته بمحاكم دولية، وليس استبدال قرار مجلس أمن ببيان رئاسي هزيل لا يساوي قيمة الحبر الذي كتب فيه. وقد أخذ قرار مشاركة السلطة الفلسطينية بإجتماع العقبة دون العودة إلى اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، ما يجعل هذه القرارات غير ملزمة ولا تمثل اللجنة التنفيذية للمنظمة.
تكمن خطورة القرارات التي إتخذت بشرم الشيخ – الذي عقد ما بعد اجتماع العقبة – أنها تتناول شقا أمنيا، لخلق غرفة عمليات مشتركة يترأسها فينزل الأميركي، لوقف التحريض، ولكن لا يمكن الحديث عن وقف التحريض لإحتلال يحتل الارض، ويقوم بإستفزازات الشعب الفلسطيني، ويسن قوانين عنصرية، تنص على حصرية الحقوق للشعب اليهودي، إلى جانب الوزراء العنصريين مثل سموتريتش الذي أخذ صلاحيات وزارة الدفاع الاسرائيلية، إضافة الى وزارة المالية، والذي يريد ضم 60% من الضفة الغربية، ويضع الشعب الفلسطيني أمام ثلاثة خيارات إما القبول والرضوخ للأمر الواقع، واما التهجير القسري، واما إبادة الشعب، وبالتالي من ينفذ عملية التحريض هو الجانب الاسرائيلي.
الجدير بالذكر ان اجتماعي العقبة وشرم الشيخ لم يشيرا إلى القدس الشرقية ومكانتها القانونية، وانها عاصمة لدولة فلسطين، بل تناول الحفاظ على المقدسات في القدس فقط، وهذا فرق كبير، يجب التنبه له، ما يعني أن هناك ضعف من جانب الوفد الفلسطيني، الذي قد يكون شريكا في التلاعب على الألفاظ التي صاغتها الادارة الاميركية.
كما ان الاتفاقيات السابقة تتحدث عن تنفيذ القرارات بإتفاق الطرفين، من دون وجود مرجعية دولية، أو لجنة تحكيم تحاسب إسرائيل على عدم تطبيق بنود الاتفاقيات السابقة، وهذا يعود إلى إجبار الشعب الفلسطيني على التعايش مع الاحتلال الاسرائيلي دون الحديث عن الحرية والتحرير.
وأخطر ما جاء في هذا الاجتماع، هو الشق الأمني لمنطقة “أ” بالضفة الغربية، لفرض السلطة الفلسطينية سيطرتها على الشعب الفلسطيني، وإلا سيتدخل الجيش الاسرائيلي للقمع، وهذا يعني اعطاء غطاء للاقتحامات الاسرائيلية المتكررة ضد الشعب الفلسطيني.
6- إسرائيل وتحدي “ردع حزب الله”.. وشعار وحدة الساحات
في تقييم أُعد في نهاية عام 2020 – على عتبة الإنتخابات الأميركية – استعرض رئيس أركان جيش العدو، أفيف كوخافي، تقييم الوضع الإستراتيجي السنوي للجيش أمام الحكومة، في الفترة القريبة المقبلة، وتطرق إلى التوتر مقابل حزب الله والتصعيد الأخير مقابل قطاع غزة وإلى تبعات اتفاق التحالف وتطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، وتأثيره على الساحة الفلسطينية وخاصة في الضفة الغربية، ليخلص إلى أن حزب الله وحماس والفصائل الفلسطينية الأخرى “مرتدعة” ولا يتوقع نشوب حرب.
واعتبر تقييم الجيش الإسرائيلي أن حركة حماس استخدمت إطلاق البالونات الحارقة في الفترة الأخيرة، وإطلاق قذائف صاروخية في حالات قليلة، “بسبب التخوف من رد فعل الجيش الإسرائيلي”. وحسب التقييم، فإن رئيس حماس في قطاع غزة، يحيى السنوار، “يحسب خطواته بحذر”، فيما أشار موقع “واللا” إلى أن إسرائيل لم توافق على أيٍ من مطالب السنوار، وبينها تحرير أسرى، دخول عمال (إلى إسرائيل)، المصادقة على مشاريع، إعادة إعمار غزة وتوسيع مساحة الصيد.
ويصف تقييم الوضع الفترة الأخيرة بأنها “مستقرة”، وتمكن المواطنون خلالها من “التجول بمحاذاة حدود الدولة”. وتم تعريف هذا “الاستقرار” على أنه “غاية لفترة الأعياد (اليهودية) القريبة أيضا”، رغم ما وصفه الموقع بوجود “مجهود سري واسع لاستهداف تعاظم قوة حزب الله وحماس وتموضع إيران في سورية”، إلى جانب متابعة البرنامج النووي الإيراني ومواجهة الاحتجاجات الشعبية في الضفة الغربية.
7- عمليات من الجنوب اللبناني ترسم معادلة جديدة
في تقرير نشره موقع “مباط عال” لكل من أورنا مزراحي ويورام شفايتسر، بصفتهما “البحثية” في “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي”، يدعو الكاتبان “الإسرائيليان” الدولة العبرية إلى تغيير معادلة الردع حيال حزب الله، وفق سردية تقرأ في أحداث الأسابيع الأخيرة سياسياً وميدانياً. ماذا تضمن التقرير الذي نشره بالعربية موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية؟
مؤخراً، تجددت العمليات ضد إسرائيل من الحدود اللبنانية، وتمثّلت بحادثَين غير مسبوقَين؛ أوّلهما الهجوم في 13 آذار عند مفترق مجيدو على طريق 65، وكان من خلال وضع عبوة ناسفة من نوع كليمغور، نفّذها “مخرب فلسطيني” تسلل إلى إسرائيل عبر الحدود اللبنانية، وأدى انفجارها إلى إصابة مواطن إسرائيلي بجروح بليغة. ولقد تم القبض على “المخرب” وقُتل وهو في طريقه إلى لبنان، وكان يحمل حزاماً ناسفاً. وأعلنت منظمة فلسطينية تطلق على نفسها اسم “قوات الجليل – الذئاب المنفردة” مسؤوليتها عن الهجوم.
أمّا الحادث الثاني غير المسبوق، فكان إطلاق صواريخ على إسرائيل في 6 نيسان/أبريل من جنوب لبنان ضمن إطار مسعى فلسطيني لفتح عدد من الساحات (القدس، وقطاع غزة، ولبنان)، وذلك بعد المواجهات التي وقعت بين مصلين مسلمين والقوى الأمنية في حرم المسجد الأقصى خلال شهر رمضان. وقد شمل القصف الذي قام به عناصر من “حماس” في لبنان 35 صاروخاً (جرى اعتراض 25 منها، وسقطت خمسة صواريخ داخل الأراضي الإسرائيلية)، وهذا الحجم لم نشهده منذ حرب لبنان الثانية سنة 2006.
وعلى الرغم من عدم وجود ما يدل على تورط مباشر لحزب الله، فإنه يمكن التقدير بمنطقية كبيرة أن الهجوم حدث بموافقة مبدئية منه، في عمليات التنسيق الاستراتيجي بين كبار المسؤولين في حزب الله و”حماس”… وفي ضوء سيطرة حزب الله على منطقة جنوب لبنان، فإن هذا يفرض على المنظمات الفلسطينية، التي تنشط في لبنان ضد إسرائيل التنسيق معه، والتي من الممكن أن تورطه في مواجهة معها (…). وبعكس المرات السابقة، امتنع حزب الله من أي رد على هجوم سلاح الجو في 7 نيسان/أبريل، وعلى عملية سرّية أُخرى ضد حزب الله بعد إطلاق الصواريخ.
مع ذلك، فإن كلّاً من عدم القيام بعملية عسكرية، ولو محدودة، كرد من جانب حزب الله، وامتناع الحزب من الاعتراف رسمياً بتدخّله في العمليات ضد إسرائيل، يؤكد أنه على الرغم من الجرأة الزائدة، فإن الحزب لا يزال حذِراً، ويريد منع مواجهة جبهوية مع إسرائيل يمكن أن تؤدي إلى مواجهة واسعة النطاق تلحق ضرراً كبيراً، ليس بالحزب فحسب، بل أيضاً بإيران، وكذلك لبنان، حيث تتوسع الانتقادات ضد حزب الله على الرغم من ادعاء نصرالله أنه مستعد أيضاً لمواجهة واسعة.
في كل الأحوال، تشير الأحداث الأخيرة إلى تآكل الردع الإسرائيلي في مواجهة حزب الله وشركائه في المحور. وفي أوضاع كهذه، يتوجب على المستوى السياسي في إسرائيل أن يُجري نقاشاً عميقاً وشاملاً مع المؤسسة الأمنية لبلورة استراتيجيات تعزز الردع في مواجهة حزب الله، الذي يشكّل رأس حربة محور المقاومة الموسع، كما يشكّل اليوم التهديد التقليدي الأساسي على إسرائيل. ويخلص التقرير الى “أن المطلوب هو القيام بعملية عسكرية ضد حزب الله لتوضيح الثمن الذي سيدفعه إذا استمر في استفزازه إسرائيل، وذلك من أجل منع تحوّل العمليات “الإرهابية” المنبثقة من لبنان إلى أمر يومي، بما في ذلك إطلاق حماس الصواريخ”.
في الخلاصة
على المستوى الإقليمي تصاعدت اللهجة ضد إيران في تصريحات كبار القادة العسكريين والسياسيين في الحكومة الإسرائيلية لتحمل نبرة تهديد هذه المرة، تلمح إلى قرب شن عملية عسكرية “للتصدي إلى التهديد الإيراني”. بعد أن نشرت أسوشييتد برس للأنباء، خبراً بأن إيران تبني موقعاً جديداً تحت الأرض في جبال زاجروس ليحل محل مركز مكشوف لتصنيع أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز النووية القريبة التي تعرضت لانفجار وحريق في يوليو تموز 2020.
وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال هيرتسي هليفي، خلال كلمة ألقاها في مؤتمر هرتسيليا الأمني السنوي، الشهر الفائت، أن طهران ضالعةٌ بكل ما يحدثُ على الساحة الإقليمية، وأن “بصمات أصابعها تظهر على النشاطات العدائية للجهات التي تدور في فلكها”. في حين كان رئيس مجلس الأمن القومي، تساحي هنغبي، خلال المؤتمر، شديد التحذير من إن “إسرائيل ستتصرف في حال أتاحت الولايات المتحدة لإيران الوصول إلى نقطة اللاعودة”، في تطوير أسلحة نووية.
لقد خاضت إسرائيل الحرب على قطاع غزة بالإستراتيجية نفسها التي خاضت فيها حروبها السابقة ضده. وقد استندت في حربها أساسًا إلى تفوق سلاحها الجوي الذي استعملته بكثافة وقوة تدميرية غير مسبوقة ضد أهداف، أغلبها مدنية، تقع في قلب المدن والمخيمات في قطاع غزة. إلا أن إسرائيل فشلت، مع ذلك، في وقف إطلاق صواريخ المقاومة إلى داخل العمق الإسرائيلي، وفشلت في ردع المقاومة وكسر إرادتها، وفشلت قبتها الحديدية ومقلاعها من التصدي لرشقات صواريخ المقاومة. وإن كانت إسرائيل لم تقبل شروطًا لوقف إطلاق النار، فإنها أيضًا فشلت في فرض أي شرط على المقاومة.
ونلفت هنا الى أن لموضوع الشائك مع النووي الإيراني سيبقى مقلقاً للكيان الغاصب، ولكن، على صعيد آخر، يبدو أن المعادلة في غزة قد تغيرت لناحية وجود تنسيق إسرائيلي دولي عربي قد يصل إلى إتاحة المجال لاحتواء فصائل المقاومة، من خلال تكثيف العمل الدولي والعربي (من طرف دول التطبيع) في قطاع غزة، عبر استغلال رغبة حماس في استثمار قدراتها سياسيًا، والتي باتت واضحة في طرح نفسها بديلاً للسلطة الفلسينية، فهل ينجح هذا الأسلوب مع تنظيم الجهاد الإسلامي الذي يستند الى الدعم الإيراني المادي والعسكري، وهو الذي لا يلهث خلف انتصارات سياسية محلية.