“التربية تعني في نظرنا تفاعل نهجين تربويين: احدهما يهدف الى صقل العقل وتنظيمه وشحنه بالمعلومات اللازمة ، وصهره في اتجاه الانتظام والقيم لانها اهم بكثير من تعبئته بما يرد في كتب العلم والادب والفلسفة والتاريخ… والنهج الثاني يقصد الى تهذيب العاطفة والتصرف. والانسان لا يكتمل الا اذا حصل الانسجام الباطني والظاهر بين العقل والقلب ، بين عقلانية الفكر وتسلسل عقده وقلاداته، وبين اندفاع العاطفة وتوقها المتلهف نحو الحق والوعي والجمال. فالعلم قد لا يستنجد سوى ببعض قوى الفكر الناشط، والمعرفة شيء آخر يجمع بين حدس القلب وانحثاثه على الغرض المدروك في شغف الحب الذي يرمي في اصالته الى اكتشاف منابع الحق والخير التي هي الوسيلة لتكوين الانسان .

لذا يتوجب علينا ان نسعى الى تحقيق مفهوم جديد للتربية ، وان نرتقي في نهجنا التربوي العام لكي ننقذ انفسنا وقوميتنا والعالم من آثار المدنية المنفلتة . اننا نطالب بضرورة تعميم التعليم والعلم في لبنان ، ثم الارتقاء به الى مستوى المعرفة والتهذيب الحقيقي ، فلا ينقذ الحضارة القائمة من المادية والفجور ، خاصة في لبنان ، سوى تنفيذ برنامج شامل وعميق للتربية في جميع حلقاتها ومناهجها. فالعلم ليس فقط سبيل للعيش ، بل هو ينبوع سعادة وحياة لمن يعرف معنى الحياة . ”

(المرجع: مقال لكمال جنبلاط في جريدة الانباء بتاريخ 5/10/1960، ورد في الصفحة 19 من كتابه “تمنياتي لانسان الغد”)