ماذا اقول في رفيقي وأخي وصديقي وحبيبي ورفيق عمري وقائدي وزعيمي؟…

منذ اللحظة التي أبلغت فيها بنبأ مصرعه، شعرت للمرة الثانية في حياتي، بأن “ظهري” قد قصم، بأن السند الذي كنت، وكان معي كل الشرفاء في هذا البلد، وفي الوطن العربي، نتكىء اليه قد زال وتهاوى. كانت المرة الأولى يوم وفاة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وهذه الثانية…

كانت علاقتي بكمال جنبلاط تتجاوز علاقة الرفاقة والأخوة والصداقة والإلتزام الفكري والمبدئي. كانت علاقة لا يمكن وصفها بالكلمات. فلي رفاق أعزاء كثيرون، ولي أخوة أحباء كثيرون ولي أصدقاء كثيرون، لكنني ما شعرت يوما تجاه اي منهم بمثل ما شعرت وأشعر الأن، وسأظل أشعر تجاه كمال جنبلاط. فشعوري تجاه الرفيق غير شعوري تجاه الأخ، وشعوري تجاه الأخ غير شعوري تجاه الصديقن اما شعوري تجاه كمال جنبلاط فكان مجموعة مشاعر تتجسد جميعا في آن، وتضاف اليها نكهة خاصة ما كان ليشعر بها الإنسان الا تجاهه وحده.

كان كمال جنبلاط رفيقا أمينا وموجها رشيدا عندما تحتاج الى رفيق، وكان أخا مخلصا عندما تحتاج الى أخ، وكان صديقا صدوقا شريفا عندما تحتاج الى صديق، وكان رفيقا وأخا وصديقا عندما تحتاج الى إنسان. فقبل كل شيء كان انسانا بكل ما لهذه الكلمة من معنى.

عمل للإنسان في لبنان والوطن العربي والعالم بإخلاص وصدق وواقعية. كان يتمزق ألما لأخبار الجوع في أقاصي الهند أو في بنغلاديش أو في أفريقيا، لأنه انسان يشعر مع الإنسان في كل مكان.

                                   *********************************

كمال جنبلاط، هذه الظاهرة السياسية الفريدة في هذا البلد، كيف كان يفكر سياسيا، وبالتالي ما كان مسلكه السياسي؟

اختار الطريق الأصعب والأتعب والأخطر والأطول، يوم قرّر أن ينعتق من ارث الزعامة التقليدية، ويخوض غمار التحدي الأكبر، فنهج نهجا ثوريا عصريا، وأسس الحزب التقدّمي الإشتراكي، وانطلق

به ومنه، يقود نضالا وطنيا وتقدميا يتجاوز حدود لبنان الى الوطن العربي الذي استشهد من أجل قضيته الكبرى: فلسطين

أراد كمال جنبلاط لبنان وطنا لا ملجأ، أراده منارة فكر وإبداع وعدالة في المشرق العربي، أراده مرتعا لقيم الخير والمحبّة والجمال، لا مركزا للتجسس ودكانا للموبقات على هذا الشاطىء. أراده عربيا علمانيا ديمقراطيا وسندا ودعامة للحق الفلسطيني وللشعب المضطهد المشرّد، لا موئلا للمتربصين شرا بأشرف قضية وأنبل كفاح. ويوم وقف كمال جنبلاط يرد عن شعبه هذه القضية غائلة العدوان، كان يرد عن الإنسان في لبنان وفي كل صقيع من أصقاع الوطن العربي شرّ اغتيال هذا الإنسان وبالتالي إغتيال القضية. فقضية فلسطين كما فهمها كمال جنبلاط، هي قضية الإنسان في كل مكان، وخاصة قضية الإنسان في لبنان. وان لم يكن للإنسان في لبنان هذه القضية، فإنه يكون انسانا بلا قضية، وهو لم يرد له أن يكون بلا قضية.

كان طموح كمال جنبلاط ان يرى الإنسان في لبنان والوطن العربي ملتزما التزاما مطلقا بالقضية، منتصرا لقضيته، لأن امكانات الإنسان العربي الهائلة لا تقهر، فتتحرّر فلسطين، ويلتئم شمل العرب في وحدة “لا يقهرها قهار” فتقوم الدولة العربية الكبرى الديمقراطية والعلمانية لتساهم في تقدّم الإنسانية وإرساء الحضارة العصرية على أسس العلم والقيم الروحية.

وكان طموح كمال جنبلاط ان يسهم من خلال شعبه العربي ومبادراته الخلاقة في التوصل يوما، ولو بعيدا، الى الوحدة الإنسانية الشاملة التي تتعدى القوميات والعصبيات الإقليمية، وتنصهر في “تكور إنساني” يؤدي في نهاية المطاف الى نظام أممي متحرر من كل المعوقات، يخدم خير الإنسان ورفعته وتقدمه.

طموح كمال جنبلاط كان أكبر من كل الوسائل والإمكانات المتاحة له في وطن تمزقه العصبيات والطائفية وكل أشكال التآمر الإستعماري والصهيوني. لذلك فقد انطلق في العالم الذي اهتزت أركانه لنبأ مصرعه، فكان بعد عبد الناصر، الزعيم العربي الوحيد الذي يحدث غيابه ضجة عالمية هائلة، ويحدث اغتياله استنكارا عالميا شاملا. وكان الزعيم اللبناني الوحيد، عبر تاريخ لبنان الطويل، الذي ينفعل العالم لخبر مصرعه ويعتبره خسارة إنسانية لا تعوّض.

                                          **********************************

نعم… سنكمل المسيرة، فالرسالة أمانة في أعناقنا تركها لنا القائد الخالد، سنحملها بشرف كما عملنا.

ولكنني أقولها بصدق وإخلاص دون أن أثبط عزيمتي أو عزيمة رفاقي، أقول لن تكون المسيرة كما كانت يوم كان على رأسها وفي مقدمتها كمال جنبلاط، فالمسيرة بكمال جنبلاط هي غيرها بدونه، و”لذة” النضال تحت لواء كمال جنبلاط لا تعادلها “لذة”، فالقيادة الفذة لا تتكرر في التاريخ الا لماما.

انني أشعر اليوم بأن لبنان بعد كمال جنبلاط قد صغر حجمه، كان بلدا كبيرا بقيمته المعنوية وبفكره النيّر، فكر كمال جنبلاط الذي أشعّ على العالم ، وأضحى اليوم “ضيعة” أو قرية صغيرة، تتقاذفها أمواج التآمر والشر.

عفو القراء، لقد كانت كلمة من القلب، فيها كثير من الأسى، وشيء من اليأس، وهي كل ما استطاع يراعي أن يخط على الورق في غمرة الحزن العميق الذي ينتابني… عذري انها كلمة من القلب.