“بين الكائنات الحية ، في الواقع، الانسان وحده حر  لانه ينفرد بملكة التمييز العقلية التي تدعوه الى التوجه الى الخير. وبممارسته للحرية يجب على الانسان الالتزام بالاخلاق وبالقيم الروحية والاجتماعية والوطنية والانسانية ، والا تفقد الحرية كل معنى ،  ففعل الشر والانحراف عن الخير الى الاستجابة للشهوات هو حرية شيطانية لا انسانية .”
(المرجع: كمال جنبلاط من مقال له في جريدة الانباء بتاريخ 14/02/1973، ورد في الصفحة 127 من كتابه “تمنياتي لانسان الغد”)
شهد هذا الشهر في لبنان كما في المنطقة الشرق اوسطية وفي العالم نوعين من الكوارث: الاول ناتج عن ظواهر تعود للطبيعة ، والثاني تقع مسؤولية حصوله على الحكام  فما الفوارق بينهما؟
النوع الاول : الكوارث الطبيعية
تعبّر الطبيعة عن انزعاجها او غضبها (كما يتصور البعض) بعدة طرق تتسبب كلها بتداعياتت خطيرة على الانسان ابرزها: الزلازل – الفيضانات – الجفاف الطويل – العواصف – الاوبئة – التبدل المناخي. وهذه الكوارث تتجاوز الدول والحدود والانظمة ويترتب عليها فقدان حياة الكثيرين وتشريد الملايين  وانتشار الفقر والعوز والمرض والخلل الاقتصادي والمعيشي واحياناً الخلل الامني ، والفشل على مستوى السلطات والقدرة على المواجهة واعادة الاعمار وسواها من الصعاب وخاصة عدم توفر المال لذلك.
ومن طبيعة هذه الكوارث انها تحرّك القلوب والمشاعر وتدفع الناس في المجتمعات على اختلافها وحكامها، فيما يتخطى الحدود والمواقف الرسمية والمصالح ، ويدفعها الى المسارعة لتقديم العون والاغاثة . ولنا في كارثة الزلزال التي ضربت مؤخراً تركيا وسوريا وكانت لها تداعياتها على دول الجوار ومن بينها لبنان ، حيث شهدنا الافراد والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية والسلطات ، رغم نوع العلاقات بين دولها والانظمة الحاكمة حيث وقع الزلزال ، تندفع للتعبير عن التعاطف وتقديم العون والمساعدة والاغاثة .
وكان المعلم كمال جنبلاط قد عبّر عن هذه الظاهرة الانسانية بما يلي :
“على مدى ما تصيبه المؤسسات البشرية من التوفيق والتأليف بين الحرية والوعي المتزايد من جهة ، وبين الروح الاجتماعية التضامنية يقوم نجاحنا في تكوين العالم الحديث والانسان الجديد الذي هو في نظرنا ، وبالنسبة للقوى المادية والنفسية الهائلة المسخرة له لبنيانه، احدى محاولات الطبيعة والبشرية الكبرى.”
(المرجع: كتاب كمال جنبلاط “تمنياتي لانسان الغد” ص. 17)
 النوع الثاني: كوارث الحكام
كوارث الحكام هي تداعيات الاطماع والطموحات والفساد والتطرف والعنصرية وحب السيطرة والتوسع، وكلها تفجّر الازمات والمعاناة على مستوى شعوب امثال هؤلاء الحكام، والحروب المدمرة بين الدول والحقد والافقار والموت والكراهية .
ولعل الحرب المدمرة الدائرة رحاها في اوكرانيا على تفاقم، تشكل النموذج الصارخ على ما اشرنا اليه اعلاه. فهي قائمة على اطماع وحب سيطرة وتداعياتها اخذت ابعاداً عالمية وتترتب عليها تداعيات وازمات معيشية تشمل العديد من الشعوب في مختلف القارات .
اما النموذج الثاني لهذا النوع من كوارث الحكام فنعيشه في لبنان ، وهو يتخذ ما يشبه زلزالاً سياسياً ومالياً واقتصادياً واجتماعياً يضرب لبنان ويقود الشعب اللبناني الى درك الجحيم.
زلزال لبنان هذا يتحمل المسؤلية الكاملة عنه ارباب الحكم والسلطة والادارة والمؤسسات المالية والتعليمية، كمنظومة حاكمة ومتحكمة تغلب مصالحها الفردية والفئوية وولاءاتها الخارجية على الواجب الذي يفترض ان تؤديه لصالح الوطن والمواطن. ضحايا الزلزال اللبناني رهينة تعاني النزاع المميت لدى المافيا المصرّة على تعميق الخراب وزيادة المعاناة والسطو المستمر على ما تبقى لدى الناس من وسائط للعيش، والحرص على مواصلة الابقاء على الشغور الرئاسي والشلل الحكومي والاداري والمالي والقضائي والتربوي سعياً وراء تحقيق الانتصارات الوهمية والمصالح الخاصة والفئوية حتى لو ترتب على ذلك موت الوطن والمواطنين .
تجاه هذا الواقغ الاليم ، وتعذّر التوصل الى حلول داخلية ، وفشل الحلول الخارجية ، والتمنّع عن امداد لبنان بالمساعدات الانقاذية ، والاكتفاء بتقديم النصائح الاصلاحية ، نستذكر دعوة كان قد اطلقها المعلم كمال جنبلاط في 09/07/1960 لعلها توقظ ضمائر الحكام او بعضهم ، جاء فيها:
“يعوزنا في لبنان قادة…. يعوزنا مواطنون صالحون … يعوزنا رجال يؤمنون بقيمة الحق وبقوة الحق وغلبته.. يعوزنا رجال ونساء يترهبون لدنياهم ويسعون الى اعمالهم  كالنسّاك في خلواتهم يتعبدون. يعوزنا ان  نفكّر بالقريب ، وبما هو عليه ، وبما يتوجب علينا تجاهه ، قبل ان نفكر بذاتنا.”
والى قادة العالم المسؤولين عما يصيب هذا العالم من تداعيات بسبب سياسياتهم نستذكر قول كمال جنبلاط مجدداً:” اننا نعيش اليوم في مرحلة انتقال داخلية وعربية وعالمية قد لا تماثلها اية مرحلة اخرى من مراحل التطور البشري. اننا نعيش على حافة الاختيار بين الدمار الشامل وفناء الجنس البشري ، وبين انطلاقة هائلة تتجمع فيها  وتنحصر في الطاقات، ومن عوامل التقدم ما لم يتوفر للبشرية من قبل، اي منذ اختراع الآلة  وتطبيقها في مختلف المجالات ، وصولاً الى التكنولوجيا والسرعة الهائلة في التبديل اليومي والتقدم.”
(المرجع: بيان كمال جنبلاط الرئاسي للعام 1960، ورد في الصفحة 79 من كتابه “البيانات الرئاسية “)

في غياب حماة الديار الابرار
يواجه لبنان اليوم خطر الانهيار
ولم يعد ينفع خطابات الانكار
فاللبنانيون يعانون من الافقار
ويسعون الى الهجرة وترك الديار
او المغامرة وخطر الموت غرقاً في البحار
فالمنظومة الفاشلة عاجزة عن اخذ القرار
وتتستّر على فشلها بتحميل الغير المسؤولية بإصرار
فيما الشعب الغاضب يدعوها الى الفرار
ليستعيد الدولة الراعية وينعم بالازدهار
على يد حكام قادرين صادقين ابرار