“اننا نستنكر اي اعتداء على الحريات والحقوق المشروعة الانسانية والاساسية يحصل في اي مكان من العالم ، وفي اي نظام او اي مسلك ، ولأجل اي هدف مهما تسامى ، لان الغاية لا تبرر عدم اخلاقية الوسيلة.”
كمال جنبلاط في بيانه الرئاسي للعام 1974
من بديهيات الامور ان تتحسس كل دولة رأسها ، وتجهد لحماية مصالحها وشعبها من تداعيات اي نزاع مسلح يحصل في اي منطقة من العالم ، كما هو حاصل اليوم من اجتياح الجيش الروسي لدولة اوكرانيا المجاورة المستقلة والعضو في منظمة الامم المتحدة. فمن تجارب التاريخ الحديث يتأكد انه حين تبدأ حرب ما يفقد المتورطون فيها القدرة على السيطرة على نتائجها المباشرة وغير المباشرة ، وعلى تداعياتها. والامثلة على صحة ذلك كثيرة . طموحات هتلر وتطلعاته التوسعية وحبه للسيطرة دفعته لغزو العديد من الدول المجاورة لألمانيا ، ترتب عليها نشوب الحرب العالمية الثانية ، واندحار المانيا وانتحار هتلر شخصيا. كما ان النزعات الاوروبية للتوسع والاستعمار في مختلف القارات ادت الى نشوب الحرب العالمية الاولى المدمرة ، وفيما بعد الى سلسلة من حروب الاستقلال لإنهاء موجة الاستعمار، وليس بعيداً عن ذلك الغزو الاميركي لأفغانستان والتورط الاقليمي والدولي في حروب منطقة الشرق الاوسط.
وحرب روسيا على اوكرانيا الناشبة اليوم هي بالفعل تتخطى الميدان الاوكراني وتهدد بنشوب حرب عالمية ثالثة ، لان طموحات الرئيس بوتين وروسيا الى هندسة نظام امني اوروبي وعالمي ، اثبتت ردود الفعل العالمية عامة والاوروبية خاصة انه من الصعب جدا تحقيقها بالقوة لانه في هذه الحال حتى المصالح الامنية المشروعة لروسيا تفقد مشروعيتها حين يكون الغزو العسكري القهري هو الوسيلة المعتمدة لتحقيقها.
ان الغزو الروسي على اوكرانيا ايا كانت اسبابه ومبرراته وتداعياته ونتائجه ، سيعطي مبررات لحروب اخرى ، قد تنشب في مناطق مضطربة اصلاً، كما هي الاحوال في منطقة الشرق الاوسط التي تتصارع للسيطرة على مقدراتها اربعة مشاريع توسعية :
1- المشروع الصهيوني العنصري انطلاقاً من اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها، وشنّ عدة حروب على الدول المجاورة بهدف اخضاعها واقامة ” دولة اسرائيل الكبرى”.
2- المشروع التركي الساعي لإعادة بناء امبراطورية عثمانية جديدة سنية المذهب بقيادة تركية ، تشمل بلدان عربية وبلدان في آسيا الوسطى حيث ينتشر الاسلام السني.
3- المشروع الايراني الفارسي الساعي للسيطرة على منطقة الشرق الاوسط حيث يتواجد سكان على المذهب الشيعي بقيادة الولي الفقيه الايراني.
4- المشروع الروسي يحلم منذ عدة قرون بتوسيع نفوذه في منطقة الشرق الاوسط انطلاقاً مما حققه بوتين بتدخله العسكري في سوريا ، وسيطرته على الساحل السوري . وبذلك يصبح مشاركاً في تقاسم النفوذ في حوض البحر المتوسط ، مع سائر القوى الدولية الاوروبية والاميركية الفاعلة في المنطقة.
وسط هذا الصراع المحتدم ، وجد لبنان نفسه الحلقة الأضعف. فهو بلد صغير في موقع استراتيجي تسعى للسيطرة عليه كل القوى الاقليمية والدولية الناشطة في منطقة الشرق الاوسط. مكوناته الشعبية منقسمة على ذاتها ، ومتنازعة الولاءات الخارجية ، تفتقد لروح المسؤولية الوطنية وللنزاهة والقيم الاخلاقية، تتصارع على الحصص الشخصية والحزبية الطائفية والمذهبية التي اوصلت الدولة اللبنانية الى شفير الانهيار والكيان اللبناني الى خطر الزوال .
وسط هذه المعاناة والمخاطر الداخلية والاقليمية والدولية وآخرها انعكاسات وتداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا ، يجد اللبنانيون انفسهم امام امتحانين تأسيسيين: الانتخابات النيابية والانتخابات الرئاسية . وعلى حسن الاختيار في الامتحانين يتوقف مصير البلد، فإما عدم الاستفادة من درس اوكرانيا ، والبقاء الحلقة الاضعف المهددة بالتفكك والابتلاع لصالح المشاريع الاقليمية، واما النجاح في انتخاب مجموعة جديدة للحكم والادارة ، قادرة على انتشال لبنان من الانهيار والمعاناة ، والمبادرة الفورية لوضع وتنفيذ خطة كفيلة بالانقاذ وتحصين لبنان واكسابه مناعة الصمود للمحافظة على السيادة والاستقلال والتقدم الاجتماعي.
وعلى امل ان يتحقق حلم الانقاذ والاصلاح والصمود ، نرى ان ما طالب به المعلم كمال جنبلاط في بداية خمسينات القرن الماضي لحماية لبنان والمحافظة على السيادة والاستقلال لا يزال يصلح للاعتماد اليوم طالما ان المخاطر المحيقة بالبلد لازالت تفرض نفسها على الاوضاع الداخلية والاقليمية والدولية. ومما طالب به نقتطف:
“بما ان المعسكرات الدولية تهدف للسيطرة على العالم عن طريق الاحلاف والحروب المدمرة التي تدفع ثمنها الدول الصغيرة لذلك يعتبر خائناً لقضية السلام كل من ينحاز الى احد المعسكرين. وفي هذه الحال لا يمكن النأي بالنفس او الحياد فهكذا موقف سلبي يفتقد الى الايجابية في مواجهة سياسة الصراع على النفوذ والسيطرة.
لذلك يتحتم على كل دولة ان تسعى لإقامة علاقات ايجابية ومتوازنة مع الدول الاخرى على اساس المصالح المشتركة ، فالتعاون الايجابي هو القاعدة الاساسية لتحسين العلاقات السياسية وتحقيق الازدهار .
ان مثل هذه السياسة يتطلب اعتمادها سياسة خارجية ابرز مقوماتها:
1- عدم الانحياز والارتباط بأحلاف سياسية او عسكرية او معاهدات تورط البلد في النزاعات الدولية للسيطرة على العالم.
2- التأكيد الدائم على حسن النوايا والرغبة في التعاون الايجابي مع الدول الاخرى على اساس ضمان المصالح الحيوية والمساعدة لبلوغ الاهداف البناءة.
3- الحذر الدائم والتأكيد بأن مساعدتنا لبعض الشعوب المناضلة من اجل التحرر من هذا المعسكر او ذاك لا تعني مخاصمة هذه الدولة الكبرى بالذات .
هذه بعض المتطلبات لتبني سياسة عدم الارتباط والتعاون الايجابي ، وهي لا تتحقق الا عندما تترسخ وتنمو في نفوسنا الروح الوطنية الايجابية لا هذه السلبية الدائمة من الحقد والانتقاد والتبجح المريض.”
(المرجع: كتاب كمال جنبلاط “نافذة على العالم ص. 53 – 58”)
وفي المقابل اعلن كمال جنبلاط انه “لا يمكن ان يبقى على الحياد وسط ما يشهده العالم من احداث. فكيف يمكن لأحد ان يبقى على الحياد بين الحق والباطل ، بين الجهل والمعرفة ، بين الظالم والمظلوم وبين الوطنية والعمالة ، والسيادة والتبعية . الحياد الحقيقي بالنسبة لنا هو عدم الحاق الاذى بالغير، وعدم التدخل بشؤونهم الداخلية ، وفي هذا المعنى لا يستطيع اللبنانيون ان يكونوا اصحاب مصالح آنية او شخصية او فئوية لا اصحاب مبادئ كما يفترض فينا ان نكون.”
(المرجع: كتاب كمال جنبلاط “نظرة عامة في الشؤون اللبنانية والذهنية السياسية – ص. 152”)
هذه دعوتنا التي تشكل السبيل للانقاذ نضعها بتصرف الحكام الجدد المفترض فينا حسن اختيارهم لكي ننقذ اللبنانيين من معاناتهم ونحافظ على السيادة والاستقلال والكيان.