سنبقى على خطاه مستمرون فكرا ونضالا ورؤى إصلاحية

بعد مرور خمسة واربعين سنة على استشهاده في 16 آذار 1977، تثبت السنون ان المعلم الشهيد يستمر علماً مميزا على الصعيد الوطني اللبناني ، كما على الصعيد العروبي المنفتح على الحداثة والديمقراطية. وعلى الصعيد الانساني، كمال جنبلاط مستمر في الذاكرة كقائد مناضل نذر حياته لمقاومة الفساد والمحسوبية والفئوية الطائفية والذهنية الرجعية ، وكمعلم بفكره ورؤاه ومشاريعه الاصلاحية ، ينير الطريق، ويرسم الخطط لكل من يسعى للنضال في سبيل التطوير والاصلاح من اجل قيام “الوطن اللبناني السيد والحر”.

كمال جنبلاط القائد والقدوة حلم وعمل وناضل ووضع خططاً شاملة لتحديث لبنان واقامة لبنان الرسالة والمواطنة والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وتحقيق شعار “وطن حر لشعب سعيد” ، في ظل دولة مدنية علمانية ذات ملامح انسانية ، رأى فيها المعلم السبيل الوحيد لبقاء لبنان وطنا حراً سيداً مستقلاً ومنفتحاً على العرب ومشاركاً فاعلاً في الدفاع عن قضاياهم ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ، ومتعاوناً بايجابية مع سائر الدول على اساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للاخرين ، وعدم السماح لهم في المقابل بالتدخل في شؤونه الداخلية لانه يرفض التبعية لأحد او الانحياز الذي يفقده القدرة على اتخاذ القرارات الوطنية بحرية.

جميعنا ندرك اليوم ونعاني على الصعيد الرسمي ان ارباب السلطة القائمة عاجزون عن مواجهة الازمات التي حولت حياة اللبنانيين الى جحيم ، لفقدانهم حرية اتخاذ القرارات اللازمة في الاوقات المناسبة ، يتحدثون عن الحلول ، وفي افعالهم المتناقضة يعطلون تنفيذها .

لبنان اليوم على عتبة انتخابات مصيرية نيابية ورئاسية لايزال الغموض والتباعد والانقسام يسيطر على مناخها. وفي محاولة منا، في رابطة اصدقاء كمال جنبلاط للمساعدة في الخروج من هذه البلبلة، نغتنم هذه الذكرى لنطرح من جديد على اللبنانيين آراء سبق للمعلم ان طرحها لتصويب المسارات اللبنانية منذ الاستقلال من الارباك والتردد والفشل.

في العام 1960، وبعد ما تكبده لبنان من تداعيات ونزاعات داخلية ، اراد كمال جنبلاط الابتعاد عن واقع الانقسام والتصارع الداخلي ، وتوجه الى عالم الاحلام ليرسم لنا معالم الوطن الذي يحلم بقيامه في لبنان ، وكتب : “عندما تضيق بنا فسحة الامل ، ويضيق بنا مجال التنفس ، فنكاد نختنق في الاجواء الملبدة التي تحيق بالبلد” يطيب لنا ان نسترسل في ارجاء الحلم ، ونفتح كوّة صغيرة على عالم هذا الحلم، لعل المتعصبين الى اية جهة انتسبوا، او الى اي مذهب ، يجدون في الاطلاع عليه بتجرد سبباً وداعياً للعودة الى العقل والرشد، والى مفاهيم العدل والضمير، في مواجهة الذين غرسوا في النفوس افكار القلق والخوف واليأس والاستسلام، مستغلين الدين وهو براء منهم ، للدفع الى الاقتتال او الانكماش ، مبعدين الناس عن الانفتاح ، واللقاء مع الاخر الشريك في الوطن وفي الاخوة الانسانية . الى هؤلاء نقول: نحن نحلم ونأمل بأن يزول في لبنان وبين اللبنانيين كل تمييز على اساس المعتقد الديني او الانتساب الطائفي او المذهبي في كل المجالات وعلى مختلف المستويات. نحلم بأن تصبح هذه الدولة دولة مدنية علمانية لا دولة ما مارون ولا دولة النبي محمد وطبعاً لا دولة الحاكم بأمر الله ، فترفع هذه المفاهيم الضيقة من النصوص ومن النفوس مجبراً حاكم حازم لا يأبه بأقوال ودعوات الجهلة ، ولا بنصائح بعض رجال الدين المتعصبين، او قادة بعض المنظمات الطائفية والمذهبية بل بما يمليه عليه ضميره وروح العدل في نفسه. اي بما تفرضه المسيحية الحقيقية والاسلام الحقيقي. نحلم بأن تحل السلطة جميع المنظمات والهيئات الطائفية في لبنان ، وان تطلب منها اعادة تشكيل نفسها على اسس وطنية ، عابرة للطوائف ., فبهذا نحافظ على الكيان وعلى الديمومة، والا افقنا من الحلم لنجد ان الوطن على عتبة كارثة كبرى لاننا لم نوصل الى الحكم بالاشخاص القادرين فعلا على التجرد عن انانياتهم واطماعهم الشخصية او الفئوية ، ليقوموا بالاصلاحات الجذرية الكفيلة بأن تجعل لبنان وطناً لا دكاناً، وتعالج الامور الطارئة انطلاقاً من الايمان الصادق بالوطن والاحترام لجميع المواطنين بحكمة وتجرد في آن واحد.”

(المرجع: كتابه”لبنان… والجسر الوطني المقطوع” ص. 247)

اعتقد الذين تآمروا على اغتيال كمال جنبلاط انهم بالتخلص منه جسدياً، سيقضون في الوقت ذاته على حلمه بالوطن الذي يليق باللبنانيين ويشكل نموذجاً لتبنيه في سائر البلدان العربية الشقيقة. وبالفعل استطاعوا ان يغرقوا لبنان بسلسلة من الازمات والنزاعات استمرت تتفاقم لتصل باللبنانيين الى ما يعانون منه اليوم.

وبما اننا اليوم على عتبة استحقاقات مصيرية حول اي لبنان نريد ، نقول للبنانيين واللبنانيات ان الحلم المنشود لا يزال ينتظر من يحوله الى حقيقة ، وندعوهم ان يعوا جيداً الواجب الوطني، ويحسنوا الاختيار في الانتخابات النيابية والرئاسية المقبلة ويوصلوا الى مقاليد الحكم في مختلف السلطات والادارات الاشخاص الذين تتوفر فيهم شروط قيادة لبنان باتجاه اقامة دولة الحداثة والمواطنة السليمة ، والا فان الاسوأ ينتظرنا ولا يعود ينفع الندم ، فكلنا مسؤول، وكلنا مطلوب منه ان يبرهن بحسن تصرفه وبخياراته انه كان على قدر هذه المسؤولية.

عباس خلف

رئيس رابطة اصدقاء كمال جنبلاط