“كنا ولا نزال حريصين على أن تعكس اقوالنا وافعالنا المبادئ التي نتبناها ، والتي نرى واجب تنفيذها في هذه المرحلة التي يمر بها لبنان.”

كمال جنبلاط

لبنان اليوم على عتبة انتخابات نيابية ثم رئاسية مفصلية ، مطلوب منها ان تحدد مستقبل النظام ، ومدى احترام المسؤولين عن ادارته للدستور والقوانين ولمبدأ تداول السلطة ، والحرص على ضمان دور لبنان كدولة فاعلة وراعية وجامعة على المستوى الداخلي ، وكدولة محترمة على المستويات العربية والاقليمية والدولية .

وانطلاقاً من وفائنا ، في رابطة اصدقاء كمال جنبلاط للمعلم ولنضاله ورؤاه الاصلاحية ، ارتأينا ، بمناسبة الانتخابات المنتظرة ، العودة الى فكر المعلم كمال جنبلاط لنستهدي به ونأمل بأن نهدي الاخرين برؤياه الصائبة ، لعلنا نوفّق في ان نوجّه رسالة صادقة ومخلصة للبنانيين كمسؤولين وقادة سياسين ومواطنين لكي يستوعبوا ويعوا ويجعلوا من هذه المناسبة الانتخابية النيابية والرئاسية المقبلة مدخلًا الزامياً لاخراج اللبنانيين من معاناتهم ، واختيار سلطة جمهورية رئاسية وحكومية ونيابية قادرة على مواجهة الازمات التي تودي بلبنان واللبنانيين الى الهلاك ، وانقاذ البلد من الفساد المستشري والمحسوبية وتهميش المؤسسات الرقابية والخروج على الدستور، واعادة التواصل المتكافئ مع المحيطين الاقليمي والدولي. وهذا ما طالب به المعلم في التاسع من شهر آذار 1968 في افتتاحيته لجريدة الانباء ، نقتبس منه :

” “السياسة محنة وامتحان.” هكذا ورد في كتب الحكمة القديمة التي تجلت فيها خبرة العصور ، وتأملات الساعين لاصلاح احوال الزمان على الرغم من تبدل الزمان في ذاته.

واليوم اذ نشرف على الانتخابات النيابية يجدر بنا ان ندرك معنى المحنة ومعنى الامتحان في هذه التجربة للوعي الشعبي والاجتماعي ، والا ظللنا اربع سنوات اخرى نادمين على ما توجهنا اليه في لحظة واحدة من ساعة الاقتراع ، ولا يعود يفيد ان نطالب النواب بما لم نطالب انفسنا به يوم اقتراعنا لهم .

اما المحنة في ما نواجهه فهي في الارتفاع فوق انجذاب المال ، وخدعة التعصب الطائفي الذميم ، والانسياق في مهالك الرجعية التي طالما عطلت على هذا البلد سبل تقدمه ومناهج ارتقائه نحو الافضل . واما الامتحان فهو ان نعرف من نختار وما نختار ، لا بين الاشخاص على الطريقة التقليدية اللبنانية ، وما يتناسب مع ذوقنا الشخصي ، بل بين مبدأ ومبدأ، وبين قضية وقضية ، وانتساب لهذا البرنامج ام ذاك. والطريق واضح بين رجعية متحالفة مع مختلف الاحتكارات الرأسمالية الجشعة في البلاد التي يعاني منها الشعب اللبناني في عيشه ، وفي تصريف انتاجه ، وفي البطالة التي تنغص عيشه مع عائلته . كما في غلاء الدواء والاستشفاء ، وفي ارتفاع اسعار السلع والحاجات الضرورية من سكن وتعليم ، وبين المبادئ التقدمية الاجتماعية التي يناضل حاملوها من اجل انقاذ المواطن من الفقر والتأخر والبطالة ، وتوفير متطلبات عيشه الضرورية في مختلف المجالات وعلى كل المستويات وتؤمن تصنيع البلد وتصريف الانتاج، وتجعل الضمانات الاجتماعية في الصحة والدواء والاستشفاء والمدرسة والسكن تشمل جميع المواطنين دون اي تمييز.”

كمال جنبلاط لمن يعلم ويتناسى ، ولمن لا يعلم ، هو الذي قاد مسيرة النضال الفعلي والصادق من اجل جعل لبنان “بلداً حراً لشعب سعيد”، وقدم للسلطات الحاكمة في عدة عهود رئاسية عشرات المشاريع الاصلاحية التي لو استجاب المسؤولون وقتها لها، وعملوا بموجبها لكنّا بنينا الدولة الراعية والحامية والمحترمة ، وفقاً للاسس التي رسمها كمال جنبلاط لبناء الدولة اللبنانية وتنظيم شؤونها.

وبما ان ذلك لم يحصل لأسباب كثيرة داخلية واقليمية استطاعت اغتياله في 16 آذار 1977 وسعت لطمس افكاره. فاستمر التخبّط والتناحر والاقتتال ، والتدخل الخارجي الاقليمي والدولي ، فتفاقم الفشل واستفحل الفساد وتناتش قالب الجبنة للمصالح الشخصية او الحزبية والفئوية ، ووصلنا الى ما نعانيه اليوم من انهيارات كبرى بالغة الخطورة تهدد مصير الكيان والوطن وحاضر المواطن ومستقبل الاولاد والاحفاد. لكل هذا ، وبمناسبة الانتخابات القادمة نكرر ونذكّر بما طالب به المعلم كمال جنبلاط من حسن اختيار للاشخاص وتمييز بين مبدأ ومبدأ وبين قضية وقضية . وعدم الوقوع في حبائل المتاجرين بالمبادئ وبالقضايا التي طالما وقعنا فيها سابقاً ودفعنا اثماناً باهظة لسوء الاختيار. املنا كبير في الاستجابة لأن فرص الانقاذ تضيق والوعي وحسن الاختيار وحده هو السبيل للانقاذ.