استمرار تدهور الاوضاع المعيشية والمالية والاقتصادية والسياسية والامنية ، والعجز المتفاقم عن معالجتها، وايجاد حلول لها على مستوى ارباب السلطتين التنفيذية والتشريعية ، ومواصلة الحملة المذهبية ذات البعد السياسي الفئوي على القضاء. كل ذلك ينذر بأسوأ العواقب على الوطن وعلى المواطنين . كمال جنبلاط الذي نسير على خطاه، ونستذكر مواقفه الصائبة في هذا الشهر الذي شهد ولادته سنة 1917، كان قد هاله ما يحاك للبنان واللبنانيين من خطط تآمريةومشاريع تهدد وحدة اللبنانيين وكيان الوطن ، كان اعلن في شباط 1977، في افتتاحيته لجريدة الانباء ، تحت عنوان “الحوار المطلوب ” ما يلي:

“اننا ندعو الى الحوار بين اللبنانييين لانه السبيل الوحيد للانقاذ. فالاتفاق السياسي يجب ان يأتي في مقدمة الاهتمامات التي تواجهها الدولة اليوم . فمثل هذا الاتفاق يمهد الطريق لعودة الاوضاع في لبنان الى طبيعتها ، بما يحدثه من اطمئنان عام وراحة نفسية عند المواطنين . ولذا فان المطلوب في هذه المرحلة الحرجة ان يتحقق لون من الوان التوافق الوطني على صعيد الاحزاب والشخصيات السياسية ، ايا كانت خلافاتها السابقة او حساباتها وارتباطاتها الداخلية والخارجية . وفي رأينا ، ان المنطلق لتحقيق مثل هذا التوافق هو البحث في البرنامج الاصلاحي الذي اطلقناه بإسم الحركة الوطنية في 17 آب 1975 ، ودعوتنا لاعتماده مخرجاً لإخراج لبنان مما يحاك له من دسائس مخربة .

يجب ان يدرك جميع اللبنانيين اهمية التواضع وضرورة التلاقي على قاسم مشترك نستطيع من خلاله ان نعبر هذه المرحلة الصعبة قبل ان تفلت الامور ويفوتنا قطار القدر والاحداث ، فلا يعود ينفع الندم.”

وعلى ضوء ما يتعرض له لبنان واللبنانيون اليوم ، نكرر الدعوة للحوار كسبيل وحيد للانقاذ. ونطالب ارباب السياسة والسلطة ، بل جميع اللبنانيين الى الارتقاء لنكون في مستوى قدر هذا الشعب الذي هو قدر كل انسان يعيش في هذا الوطن ، فأفضل المجتمعات وارقاها واقربها الى الكمال النسبي هي التي تتقارب فيها وتنسجم مواد الشرائع والقوانين والاديان والمعتقدات وتصرفات الناس تحت مظلة الوحدة الوطنية والعيش المشترك، ضمن احترام التعددية .

في رأي المعلم كمال جنبلاط : “ان الحوار يجب ان يبدأ بين كل منا وبين نفسه ، وان يتم ذلك بصدق واخلاص وجدية. ولكننا نسأل : هل يستوي لنا مثل هذا التوجه او بعضه ، ونحن نعيش حضارة المادة والاستهلاك لأجل جشع الاستهلاك ، لا لأجل اشباع الحاجة الطبيعية للانسان من بيئته ومحيطه وتراثه ؟ّ ام ان العودة الى الطبيعة – طبيعة الانسان – في هذا المجال صعبة ، اننا في ما ندعو اليه نخاطب الذين تجلّت هذه الطبيعة البسيطة فيهم من خلال تأملاتهم، ومن دروب توقعهم الرفيع ، ومن فهمهم لحقيقة ما نعانيه من حضارتنا وجيلنا ومؤسساتنا ، ومن تطلعهم للعدل والمساواة والاخوة والمحبة التي تجمع بين هذه القيم جميعها.”

(المرجع: كتاب “لبنان والجسر الوطني المقطوع” – ص. 169)

 وعلى هذا ، فان دعوتنا المكررة للحوار المطلوب ، نرتجي من خلالها، التعالي عن كل المآرب الشخصية والفئوية وتجاوز كل المعوقات ، والتطلع الى انقاذ لبنان واللبنانيين واللبنانيات ، حتى لا ينهار الهيكل على الجميع، فلا يعود ينفع الندم او التستر وراء المبررات الزائفة للتهرب من واجب تحمل المسؤولية.