كلمة حق

“ان كلمة الحق التالية نشرتها على الفيسبوك بتاريخ 22 نيسان 2014، وقد كتبت بموضوعية وصدق بصرف النظر عن علاقة الصداقة التاريخية بين جان عبيد وبيني. وقد وجدت من المناسب ان اعيد نشرها في “ملح الارض” للتاريخ والذكرى، ولأن الفقيد الغالي حافظ على الالتزام الصارم بالقيم الاخلاقية والانسانية الى آخر يوم من حياته. تحية محبةٍ ووفاء الى روحه الطاهرة.”

كلمة حق

في كلمة موجزة بمناسبة عيد الفصح، تحدثت عن تمنياتي لانتخاب رئيس للجمهورية ضمن المهلة الدستوريّة، وذكرت بعض الصفات الاساسية التي أتمنى ان يتمتع بها المرشحون. أودّ الآن ان أتكلم عن مرشح محدّد (وإن كان لم يعلن ترشيحه بعد) خبرته عن قرب طيلة أكثر من نصف قرن، صديقاً ثابتاً يحترم أصول الصداقة بمحبة ومودّة. إنه صديق العمر جان عبيد. لقد مرّ قطار الرئاسة امام منزله في استحقاقين سابقين، ولم يتوقف في محطته حيث كان مقدراً له ان يتوقف.

عرفت جان عبيد في مطلع الستينات، وكان جامع شملنا مع مجموعة من الشباب الملتزم الفكر العربي التقدمي المتنور، القائد الاستثنائي فكراً وأخلاقاً وشجاعة وقيادة ملهمة: كمال جنبلاط. وكان جان عبيد نجماً متألقاً من نجوم هذه الكوكبة، بسعة ثقافته وسرعة خاطره وظرفه اللماح. وبعودة الى التاريخ في الستينات والسبعينات، نتذكر ان معظم شباب هذه المجموعة برزوا في العمل العام وتسلموا مسؤوليات حكومية وقيادية مرموقة. تولى جان عبيد بقدرته النادرة على الحوار والاقناع والتفاوض مسؤولية مستشار أو “ناصح دون مقابل” لعدد من رؤساء الجمهورية الذين تعاقبوا على المسؤولية. فكان صادقاً في مشورته، وحازماً في تحذيره لتجنب المزالق والوقوع في الخطأ، الى درجة الاعتراض والاحتجاب في حال الاصرار على ارتكاب الخطأ الفادح. ثم عين وزيراً للتربية والتعليم العالي، فترك بصماته في هذه الوزارة الاساسية، خاصة في مسعاه لكتابة تاريخ موحّد للبنان. ثم كلف بوزارة الخارجية والمغتربين، في فترة دقيقة من زمن الوصاية السورية، فكان حاذقاً ولبقاً في محاولاته الدؤوبة للتوفيق بين مصلحة لبنان العليا وبين توجيهات “أصحاب القرار”، ومن المؤكد انه كان وزير الخارجية الوحيد الذي حافظ على هامش لا بأس به من الاستقلالية في ظرف كانت سلطة الوصاية مهيمنة كلياً على السياستين الداخلية والخارجية اللبنانية. وساعدت علاقات الثقة والاحترام المتبادل التي نسجها مع الرئيس حافظ الاسد العامل الرئيس في فسحة الحرية التي حصل عليها. ومن الصفات الحميدة التي يتميز بها جان عبيد هي الوفاء لأصدقائه و”أبنائهم” من بعدهم. وربما كان عبيد من القلائل الذين عملوا في الشأن العام وتمكنوا من اقامة صداقات حميمة مع كافة القيادات، كما نسج شبكة علاقات وصداقات مع مسؤولين مؤثرين في الاقليم وأيضاً على الصعيد الدولي.

واذا اعتبرنا ان تحقيق مصالحة وطنية وشعبية شاملة هي إحدى المهام الرئيسية التي على الرئيس الجديد انجازها، فان جان عبيد يأتي في طليعة القادرين على تحقيق هذا الانجاز. وهو قادر بما له من حنكة ودراية وخبرة في الادارة والدبلوماسية، على قيادة حملة اصلاح الادارة وسائر اسلاك الدولة، وفي عودة الدولة الى المواطنين، وعودة المواطنين الى الدولة.

عسى ان يتوقف القطار في هذه “المرة الثالثة” حيث لم يفعل في المرتين السابقتين، فتكون “الثالثة ثابتة”.

إنها كلمة حق أقولها بكل موضوعية وتجرّد: جان عبيد قادر ومستحق (AXIOS).

عباس خلف

22 نيسان 2014