الفساد وهدر الريع النفطي العراقي

 تؤكد تقارير ومعلومات رسمية وإعلامية صدرت خلال العام الماضي، سرقة أكثر من نصف تريليون دولار من أموال الدولة العراقية خلال فترة حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وتقدر قيمة هذه الأموال بأكثر من نصف الريع النفطي بين 2003 و2015 المقدر بـ 800 بليون دولار.

واستمر حكم المالكي بين 2006 و2014 علماً بأن السنوات الأخيرة تميزت بارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل.
واعتبرت لجنة النزاهة العراقية الحكومية عملية السرقة هذه «أكبر فضيحة فساد في التاريخ». تباينت الأرقام بين مصدر وآخر حول حجم الفساد وإن كانت النتائج متقاربة في النهاية ومتشابهة في نتائجها. واخترنا مصدرين للاستشهاد بهما هنا. الأول إعلامي، نشر من قبل «هيئة العلاقات الدولية - العراق» في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 وصادر باللغة الانكليزية. والثاني مقال بعنوان «الفساد الشخصي والفساد العام» بقلم وزير النفط العراقي عندئذ عادل عبدالمهدي الذي قدم استقالته أخيراً. ونشر المقال في جريدة «العدالة» العراقية بتاريخ 16 آب (أغسطس) 2015.
تذكر «هيئة العلاقات الدولية» في مقالها أن هناك ادعاءات بأن المالكي نهب 500 مليون دولار خلال فترة حكمه. ويضيف المقال إن «هيئة النزاهة العراقية تدعي أن نصف دخل الحكومة خلال فترة السنوات الثماني من حكم نوري المالكي جرت سرقته». ويشير إلى أن الناطق الرسمي لهيئة النزاهة عادل نوري أبلغ البرلمان العراقي عن اختفاء مبلغ نصف تريليون دولار من الخزينة العراقية خلال حكم المالكي. وأفاد الناطق الرسمي باسم هيئة النزاهة عادل نوري بأن مجمل الريع النفطي العراقي خلال 2006 - 2014 بلغ مجموعه 800 مليون دولار. وأضاف أن حكومة المالكي استلمت مساعدات دولية، بلغت قيمتها 250 مليون دولار خلال فترة حكم المالكي».
ويتساءل عبدالمهدي قائلاً: «ما هو الفساد؟ أهو السرقة والتلاعب الشخصي بالمال العام، أم أن هدره بسبب النظم وقواعد الصرف والعمل والرقابة والتخطيط التي اعتادت عليها الدولة... أم الاثنان معاً؟» ويجيب بالقول: «... بلغ مجموع موازنات العراق 850 بليون دولار تقريباً، من دون ذكر الموارد الأخرى. ويجب النظر إلى الفساد الذي تستبطنه هذه الأرقام عبر ثلاثة مستويات. والأرقام والنسب كلها حقيقية لكنها تقريبية وتقديرية وهدفها عرض الأفكار أكثر منها تقديم دراسة إحصائية. الأول، وهو الفساد الشخصي الذي يقدر البعض انه يستهلك ثلاثة في المئة من مجموع الأرقام... أي أن استغلال الموقع لتحقيق المنافع الخاصة، إن صحت التقديرات، استنزف 25.5 بليون دولار... وهذه مبالغ هائلة تعني أن ما يسرق بطرق الاحتيال والسحب الحرام لا يقل عن بليوني دولار سنوياً. وهذه كارثة عظيمة يجب التصدي لها والحد منها للوصول إلى إيقافها... والثاني، وهو فساد النظام».
ويقول: «هنا تستبطن المسألة أمرين. أولهما ترهل الدولة وتحولها إلى دولة رعاية اجتماعية (دولة ضعيفة تكرس الكسل والاتكالية) وليست دولة خدمات عامة، فتستهلك عبر موازنتها التشغيلية - ومعظمها رواتب وأجور ومخصصات وتقاعد وسياسات دعم - مزيداً من الثروات، في مقابل القليل من الإنتاج والخدمات. وهذا فساد للنظام استهلك ما لا يقل عن نصف مبالغ الموازنات المتعاقبة، أي 425 بليون دولار، لا يمثل العمل المنتج منها أكثر من ستة في المئة بقليل، محسوبة على أساس أن الإحصاءات تشير إلى أن العمل المنتج في الدولة لا يتجاوز 20 دقيقة يومياً. أي أن هناك هدر لما يقارب 94 في المئة من الموازنات... وهذه تمثل أكثر من 400 بليون دولار. وثانيهما سوء استخدام الأموال والتخطيط لها. فقد تراكم اليوم لدى وزارة التخطيط 9000 مشروع معطل قيمها تقارب 300 بليون دولار، ونسب التنفيذ فيها 5 - 90 في المئة لم تنجز في مواعيدها، ومعظمها متأخر لسنوات، ما سبب ويسبب خسارة وتجميداً وتآكلاً وعدم استفادة من أموال هائلة، ضائعة أو معلقة بين المحاكم والمصارف والدعاوى المتبادلة بين دوائر الدولة والشركات والمقاولين».
والمستوى الثالث، وفق عبدالمهدي، «وهو ما تعطله البيروقراطية وقواعد عمل الدولة البالية وقراراتها وإجراءاتها الارتجالية، والسلوكيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة التي تحجز طريق الانطلاق والتنمية. فموازنات مجموعها 850 بليون دولار، خلال 12 عاماً، من دون ذكر رؤوس أموال الاستثمارات الوطنية والأجنبية، ستعني، لو لم تحبس ويعرقل انطلاقها لعوامل عدة منها الثقافة والإجراءات المتشددة، ستعني لو ضخت إلى الأسواق ومواقع العمل والإنتاج وتريليونات الدولارات من قيم مضافة ومتولدة ومحركة ومضاعفة لدورات جديدة ومتعاقبة، والتي من شأنها إصلاح أي مجتمع مهما كان متخلفاً أو متأخراً. هذا علماً بأن مشروع مارشال لإعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بلغ 15 بليون دولار للأعوام 1947 - 1951، وهذا مبلغ يعادل بالقيمة الحالية 148 بليون دولار، أي تقريباً موازنة العراق (غير المقرة) لعام 2014 فقط.
واضح أن العراق يمر بأزمة أخلاقية وهيكلية وأن النفط لا يمكن أن ينقذ العراق من ورطته هذه في ظل حكم لا رادع للسياسيين فيه من سرقة نصف أموال الدولة. وعلى رغم تدهور أسعار النفط والمعركة ضد «داعش»، فالمشكلة ليست هنا. المشكلة هي تدهور الأوضاع فأصبح من غير الممكن مساءلة أو محاسبة المسؤولين عن إفلاس الدولة، نظراً للدعم الأجنبي الذي يحصلون عليه.
وهذا الأمر يدفعنا إلى السؤال: ما هو مصير هذه الملايين بل البلايين من الدولارات؟ هل من الممكن أن تكون قد أودعت في حساب شخص واحد؟ وأين الرقابة المالية العالمية التي يتحدثون عنها هذه الأيام لتفادي تبييض الأموال؟ تشير المعلومات إلى أن كمية ضخمة من هذه الأموال جرى تحويلها إلى دول مجاورة، خصوصاً إيران لمساعدتها أثناء الحصار الدولي قبل الاتفاق النووي. إن ضخامة الأموال «الضائعة» تستدعي مقاضاة المسؤولين عن إفلاس العراق، ناهيك عن احتلال الموصل. فمن دون محاسبة وقضاء نزيه، لن يتم إصلاح البلاد. ومن دون تعيين مسؤولين كفوئين ونزيهين في أجهزة الدولة، ومن دون القضاء على الطائفية، ستبقى الأمور متردية من سوء إلى أسوأ، على رغم التظاهرات.
 
لا يقوم العدل الا بتأمين العدالة وتوفير الاجهزة التي تقوم بتحقيق هذه العدالة      التعصب هو مصيبة الدنيا وآفة الدين ومهلكة الانسان      نحلم بسياسيين ورجال دولة همّهم الوحيد تنظيم هذه الدولة لا تفكيك عرى انتظامها وتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية      نحلم بالمسؤول الذي يتجرأ على توقيف كل لبناني يقوم بتحريض طائفي      رجل الدولة الحقيقي يجب ان تكون له دائماً عين على المبادئ يستلهم منها مواقفه وتصرفاته وعين اخرى على الواقع المحيط بتطبيقها      المطلوب ان تتحول المؤسسات الاقتصادية الى مؤسسات انسانية لأن "الاقتصاد" في النهاية ليس غاية بل وسيلة لتحقيق الانسان      لا حرية لمواطن فيما ينتقص من حرية الاخرين المشروعة      لا يهمني ان يقول الناس انهم تركوا كمال جنبلاط وحده، اعتزازي هو انني كنت ولا أزال دائماً وحدي، ولم ادخل يوماً في سياق آكلي الجبنة السياسية
رابطة أصدقاء كمال جنبلاط ٢٠١٢، جميع الحقوق محفوظة
a website by progous