بعد مائة عام على اتفاقية سايكس بيكو، روسيا والولايات المتحدة ترسمان خريطة جديدة لمنطقة الشرق الاوسط

 اثناء الحرب العالمية الاولى (1914 - 1918)، وقبل ان تتضح نتائج المعارك الدائرة على مختلف جبهات القتال، استبق الحلفاء الاوروبيون انتصارهم على السلطنة العثمانية بالتفاوض على تقاسم "تركة الرجل المريض" فيما بينهم. فخلال شهر آب 1914،  وبعد اقل من مرور ثلاثة اشهر على اندلاع الحرب، اجتمع ممثلون عن فرنسا وبريطانيا وروسيا في العاصمة الروسية بطرسبورغ، وتوافقوا على ان يتقاسموا اراضي الدولة العثمانية فيما بينهم بما يتوافق مع مصالح دولهم. وتوصل ممثلو الدول الثلاث، خلال شهر آذار 1915، الى عقد اتفاقية سرية تحدد حصة كل دولة من هذا التقاسم. وبعد ان اكتشفت روسيا  مواصلة الفرنسيين والبريطانيين التفاوض بمعزل عنها، ثارت ثائرتها، فهرع الى بطرسبورغ في مطلع آذار 1916، المفاوض البريطاني مارك سايكس، والمفاوض الفرنسي جورج بيكو، وعقدوا  اجتماعاً مع وزير الخارجية الروسي سازانوف ،  واتفقوا على ان تنال روسيا حصتها من التركة العثمانية في مناطق ارضروم وترابيزوند وكردستان والموصل،  وان توافق على ما تقرره فرنسا وبريطانيا حول تقاسمهما الولايات العربية من السلطة العثمانية. وعلى هذا الاساس جرى التوقيع على الاتفاقية السرية الفرنسية – البريطانية التي عرفت باتفاقية سايكس – بيكو في 16 ايار 1916. وقد وضعت هذه الاتفاقية التي رسمت خريطة جديدة للدول التي نشأت في الولايات العربية فور انتهاء الحرب العالمية سنة 1918. فيما غرقت روسيا في حرب اهلية اثر نشوب الثورة البولشفية سنة 1917، وانكفأت عن المطالبة بحصتها من التركة العثمانية.

واليوم ، في ذكرى مرور مئة سنة على اتفاقية سايكس – بيكو ، كيف يبدو المشهد في منطقة الشرق الاوسط؟
اول ما يلاحظه المراقب للاحداث الجارية في المنطقة ، هو ان الخريطة التي رسمتها الاتفاقية المشار اليها لدول هذه المنطقة تهتز، وتمر  معظم هذه الدول بأزمات  كيانية بالغة الخطورة. انقسامات طائفية  ومذهبية وعرقية، وتخوين وتكفير ، تقتيل وتهجير ، وحروب عبثية مدمرة، تنهك شعوب المنطقة وتشردها وتدخلها في حالات بؤس ويأس.
لقد تحولت المنطقة العربية في الشرق الاوسط الى اتون نار ملتهبة وساحة للصراعات الاقليمية والدولية. وكل طرف من هذه الاطراف له مشروعه وخريطته للمنطقة وفقاً لما يخدم مصالحه. للايرانيين مشروعهم وخريطتهم وهلالهم الشيعي، ولتركيا مشروعها المناهض وخريطتها للمنطقة بما يوحي بتجدد الرغبة التركية في اعادة ما للسلطنة العثمانية. وبالطبع لاسرائيل العنصرية المغتصبة لفلسطين مشروعها التوسعي بإقامة دولة اسرائيل الكبرى الممتدة من النيل الى الفرات.
وفي مواجهة هذه المشاريع الاقليمية، يتخبط العرب ويتنكرون لقوميتهم التي توحدهم، ويتوزعون شيعاً وقبائل تتقاتل بدوافع مذهبية وطائفية، وتدمر كل ما من شأنه حمايتها، ويكفل مواكبتها للتطور والتقدم في العالم.
هذا هو واقع الحال الاقليمي المتفجر، فكيف تتعامل القوى العالمية العظمى مع احداث الشرق الاوسط؟
بالمبدأ، تبرز الى الواجهة اصطفافات ابرزها الدول الغربية وحلفاءها تديرها الولايات المتحدة التي تسلمت زعامة وقيادة العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار محور الاتحاد السوفياتي. يقابلها عودة روسيا الى الحلبة الدولية ومعها تحالف يضم العديد من الدول في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية.
نتيجة لموقعها الجغرافي والاستراتيجي، وطمعاً بم تملكه من ثروات وامكانات، تحولت منطقة الشرق الاوسط الى ساحة صراع بين القوى الدولية، ولكل منها مشروعه وخريطته الجديدة التي تخدم مصالحه، دون الاخذ بالاعتبار ارادة شعوب المنطقة ومشاريع قياداتها. الجميع في منطقة الشرق الاوسط وجد نفسه امام حقوقه المسلوبة، وارادته المنتهكة، ومصيره المجهول.
فما الذي يحاك لمنطقة الشرق الاوسط في كواليس القوى العظمى؟
بالرغم من التباينات في المظاهر والمواقف ، ورغم الاختلافات  التي يضخمها الاعلام  المخابراتي التابع لهذه الكتلة او تلك، يمكن استخلاص الحقائق التالية : انتهاء الدور الاوروربي الفاعل  في العالم، وتحول اوروبا الى  جمعيات خيرية  تتحمل وزر المآسي الغذائية والصحية التي تبرز في العالم، من جهة، ومن جهة اخرى تحولها الى ملجأ لكل هارب من حرب او فقر او جوع او مرض في العالم.
اما الولايات المتحدة الزعيمة الاحادية للعالم منذ التسعينات في القرن الماضي، فقد سعت لأن تحكم سيطرتها ونفوذها في مختلف انحاء العالم. فتدخلت سياسياً ومخابراتياً واحياناً عسكرياً لتسيير الامور وفقاً لمصالحها. غير ان تطورات الاحداث في العديد من المناطق اثبتت فشل هذه السياسة في افغانستان كما في العراق واوكرانيا، واليوم في سوريا على سبيل المثال. ونتج عن هذا الفشل انكفاء اميركي قاده الرئيس اوباما، الذي قرر الانسحاب العسكري من افغانستان والعراق، وعدم التورط عسكرياً في اي مكان، مع السعي لتصحيح علاقات  الولايات المتحدة مع العديد من الدول التي كانت على عداء معها مثل ايران ، والتمسك بالموقف التاريخي الداعم بالمطلق لإسرائيل المغتصبة لفلسطين والمشردة للشعب الفلسطيني و لمشاريعها العنصرية العرقية والدينية الهادفة الى تفتيت الدول المجاورة لها، واغراقها بحروب اهلية طائفية ومذهبية وعرقية تستنزف كل قواها البشرية وامكاناتها المالية والاقتصادية والحضارية . وهذا ما يفسر عدم جدية وجدوى ما تقوم به الولات المتحدة من جهود استعراضية في مواجهة تنامي المنظمات الارهابية التي تنشأ تحت شعارات طائفية ومذهبية بإسم الاسلام البريء من كل هذه الادعاءات المخربة والمدمرة.
وفي المقابل يبرز في منطقة الشرق الاوسط دور جديد لروسيا فاعل سياسياً وديبلوماسياً وعسكرياً واقتصادياً، مع قبول اميركي ضمني وفعلي طالما ان المشروع الروسي يلتقي مع مشروعه، ومع مصالح اسرائيل. وهنا السؤال: هل نحن على ابواب اتفاق جديد بديل عن سايكس – بيكو ابطاله الاميركي كيري، والروسي لافروف يرسم خريطة جديدة لدول الشرق الاوسط اساسها التوزيع الطائفي والمذهبي والعرقي، مع حفظ مصالح اسرائيل كافة على غرار الوعد الذي نالته الحركة الصهيونية قبل مائة عام؟
وحدها التطورات الميدانية  على ارض الواقع تجيب عن هذا السؤال، ويبدو ان الامور تتجه في هذا الاتجاه.
ولعل التوافق الروسي – الاميركي الاخير القاضي بفرض هدنة في سوريا، على جميع الاطراف في الداخل السوري وسائر المتدخلين الاقليميين في الحرب السورية،  والتي تولى الرئيس الروسي بوتين ابلاغهم مضمون القرار المتخذ تلفونياً، وضرورة التقيد به واعلان الجميع موافقتهم على الطلب، هو اصدق دليل على ما قدمنا حول اتجاه الاحداث. يضاف اليه دليل اخر تمثّل بإيفاد السلطة الاسرائيلية احد وزرائها الى موسكو وحصوله على ضمانات تكفل لاسرائيل وحدها حرية الحركة والتصرف في سوريا.
 
لا يقوم العدل الا بتأمين العدالة وتوفير الاجهزة التي تقوم بتحقيق هذه العدالة      التعصب هو مصيبة الدنيا وآفة الدين ومهلكة الانسان      نحلم بسياسيين ورجال دولة همّهم الوحيد تنظيم هذه الدولة لا تفكيك عرى انتظامها وتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية      نحلم بالمسؤول الذي يتجرأ على توقيف كل لبناني يقوم بتحريض طائفي      رجل الدولة الحقيقي يجب ان تكون له دائماً عين على المبادئ يستلهم منها مواقفه وتصرفاته وعين اخرى على الواقع المحيط بتطبيقها      المطلوب ان تتحول المؤسسات الاقتصادية الى مؤسسات انسانية لأن "الاقتصاد" في النهاية ليس غاية بل وسيلة لتحقيق الانسان      لا حرية لمواطن فيما ينتقص من حرية الاخرين المشروعة      لا يهمني ان يقول الناس انهم تركوا كمال جنبلاط وحده، اعتزازي هو انني كنت ولا أزال دائماً وحدي، ولم ادخل يوماً في سياق آكلي الجبنة السياسية
رابطة أصدقاء كمال جنبلاط ٢٠١٢، جميع الحقوق محفوظة
a website by progous